السبت, 31 أكتوبر 2026|19 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

بعد الأزمة المالية التي اندلعت أثناء الفترة 1997 ــ 1998، تعهد صناع القرار السياسي في الأسواق الناشئة الرئيسية في آسيا ـــ كوريا الجنوبية، وتايلاند، وماليزيا، بل حتى إندونيسيا ـــ بعدم تعريض نفسها ''مرة أخرى أبدا'' للإذلال من جانب أسواق رأس المال الدولية، وعلى هذا فقد شرعت في معالجة نقاط الضعف البنيوية التي تسببت في انهيار أنظمتها.

وفي الأزمة العالمية الأخيرة شهدت العديد من بلدان أوروبا الناشئة خبرات كادت تودي بها إلى الهلاك. وبفضل التدخلات السياسية الدولية والوطنية، أنقِذَت عملات هذه البلدان وأنظمتها المصرفية من الانهيار، ولكن العديد منها سجلت هبوطاً هائلاً في الناتج وارتفاعاً خطيراً في مستويات البطالة. ومن المؤسف أن هذه البلدان لم تُظهِر القدر نفسه من العزيمة التي أظهرتها نظيراتها الآسيوية في معالجة نقاط الضعف.

ففي أعقاب الأزمة الآسيوية، خضع الاقتصاد في جميع بلدان المنطقة لقدر مكثف من التدقيق الداخلي والخارجي. وكان من الواضح أنها أصبحت أكثر ضعفاً وعُرضة للخطر بسبب فقدان القدرة على المنافسة، وضعف الحوكمة، والافتقار إلى الشفافية. وكانت القطاعات المصرفية الرديئة التنظيم، وهياكل السوق الواهنة، وضعف المنافسة، فضلاً عن القيود التجارية والقيود المفروضة على الحسابات الجارية، من بين نقاط القصور والضعف التي تم تحديدها أيضا، ولم تسلك كل بلدان آسيا ذلك المسار إلى المدى نفسه، ولا شك أن بعض فرص الإصلاح أهدرت، ولكن بلدان المنطقة استوعبت دروساً مهمة، وعملت على تحسين مؤسساتها.

وعلى نحو مماثل، عملت الأسواق الناشئة في أمريكا اللاتينية على تغيير مسار سياساتها الاقتصادية بعد أزمات مدمرة ــــ وفي بعض الأحيان سلسلة من الأزمات ـــ وتحركت في اتجاه تعزيز الأطر النقدية من أجل خفض الاعتماد على الدولار، وبناء أسواق رأس المال المحلية، وتحرير الأسواق، وتحسين الحوكمة. ولقد أسهمت هذه التدابير في تحسين الأسس الاقتصادية التي ساعدت على الحد من تأثير الأزمة المالية العالمية.

ويتعين على بلدان أوروبا الناشئة أن تمر عبر نوبة مماثلة من التحليل الذاتي، ولكن يبدو أن حقيقة نجاة هذه البلدان من أسوأ السيناريوهات تزيد من صعوبة إطلاق هذه العملية. وتحتاج المنطقة إلى العثور على السبيل إلى العودة ليس فقط إلى النمو السريع، بل وأيضاً إلى نمو أكثر أماناً واستدامة.

كان اقتصاد البلدان الأوروبية الناشئة في السنوات العشر السابقة للأزمة ناجحاً بشكل ملحوظ، ولقد سجلت العديد منها معدلات نمو قريبة من نظيراتها في أسواق ناشئة أخرى، إن لم يكن في الصين، ومن حيث الصادرات كان أداؤها طيباً بنفس القدر تقريبا، وفي بعض الجوانب تفوقت على الصين.

ولكن كان من الواضح حتى قبل الأزمة أن أوروبا الناشئة بدأت تفقد العديد من مواطن القوة التي أسست لنجاحها، فقد نمت تكاليف العمل بسرعة أكبر كثيراً من نظيراتها لدى أغلب المنافسين. ففي لاتفيا على سبيل المثال، سجلت تكاليف وحدة العمل نمواً بلغت سرعته عشرة أمثال نظيره في الولايات المتحدة أثناء الفترة 2001 ــ 2008. وعلى نحو مماثل، استنفدت المكاسب المحتملة من تحسن الترتيبات التجارية بالتحاق لاتفيا بعضوية الاتحاد الأوروبي، وحين نتطلع إلى المستقبل فسندرك أن أسواق التصدير الرئيسة، ولا سيما في أوروبا المتقدمة، ليس من المتوقع أن تنمو بنفس السرعة التي سجلتها في الماضي، فضلاً عن ذلك فقد اعتمدت المنطقة بشكل مفرط على المدخرات الأجنبية لدعم النمو، حيث تعاني العديد من البلدان عجزا ضخما وطويل الأجل في الحساب الجاري. ولقد تم تمويل جزء كبير من هذا العجز بالاستعانة بتدفقات لا يترتب عليها ديون من الاستثمار المباشر الأجنبي، ولكن الاقتراض من الخارج، وخاصة من جانب القطاع الخاص، سجل أيضاً نمواً بالغ السرعة. ولقد تولد عن التمويل الخارجي نمواً في الائتمان من العملات الأجنبية، حتى بالنسبة للمقترضين الذين بلا دخل من العملات الأجنبية. ونتيجة لهذا تم تمرير مخاطر سعر الصرف إلى هؤلاء الأقل قدرة على إدارتها: أو الأسر. وكانت البنوك مثقلة بقدر كبير من التعرض لهذه المخاطر.

ومع نمو الأجور بسرعة أكبر من نمو الإنتاجية في الفترة السابقة للأزمة، عانت القدرة التنافسية أيضا، وأصبح الطلب المحلي المحرك الرئيس للنمو، ولقد ساعد الوصول السهل إلى التمويل الرخيص، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، في تخفيف الاحتياج إلى المضي قدماً في تطبيق الإصلاحات الصعبة للبنية الأساسية، والمرافق، والتعليم، والرعاية الصحية، على سبيل المثال لا الحصر. أما تنويع الإنتاج فقد تراجع إلى مرتبة أدنى من الأهمية في القرارات السياسية مع استمرار أسعار السلع الأساسية في تغذية النمو السريع.

إن أوروبا الناشئة تحتاج إلى مصادر جديدة لتعزيز قدرتها التنافسية. وهناك رغم ذلك بعض المكاسب المهمة التي لا بد أن تستمد من المزيد من تحسين البيئة التجارية عموما. ولقد كشفت دراسة استقصائية أجريت على نطاق واسع، ونشرها التقرير الانتقالي للبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير لهذا العام، كشفت عن مخاوف كبيرة فيما يتصل بتوافر العمالة الماهرة، وشفافية النظام الضريبي والقدرة على التنبؤ به والفساد.

لا توجد طرق مختصرة لإحراز التقدم فيما يتصل بمعالجة المشكلات، ولكن الدروس المستفادة من المنطقة لابد أن تلهمنا الرغبة في محاكاة بعض التجارب. فقد نجحت بعض البلدان مثل المجر في الحفاظ على جودة التعليم، التي تشكل أهمية بالغة في دعم القدرة التنافسية في الأمد البعيد. كما أظهرت استونيا السبيل إلى إدارة النظام الضريبي بطريقة مبسطة تستفيد من التجربة الاسكندنافية. ولقد تمكنت جورجيا من الحد من الفساد بين صغار الموظفين بشكل جذري، وذلك بخفض أعداد العاملين، وتحسين نظام الأجور والتعويضات للموظفين الحكوميين المتبقين، وفرض عقوبات أكثر صرامة على المرتشين.

إن النموذج الأساسي للنمو في أوروبا الناشئة سليم، وإذا طبقت هذه البلدان الإصلاحات الضرورية، فسوف تتمكن من تحسين احتمالات نموها. وعلى القدر نفسه من الأهمية، ستتمكن من خلق مخففات الصدمة اللازمة للتعامل مع الصدمات الخارجية، وكما هي الحال في البلدان الناشئة في آسيا وأمريكا اللاتينية، تنفيذ السياسات الكفيلة بمواجهة التقلبات الدورية واحتواء حجم وتكاليف الأزمات الشاملة في المستقبل.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2011.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية