السبت, 31 أكتوبر 2026|19 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الاقتصادات التي استطاعت أن تحقق تنمية مستدامة هي الاقتصادات التي توجهت نحو الصناعة والتصنيع، على أن الصناعة تتطور بتطور الإنسان، فقد بدأ الإنسان حرفة الصناعة لتصنيع أدوات القطع والدق والحفر، ثم بتطور الفكر الإنساني تطور التصنيع فانتقل من تصنيع الأدوات إلى التصنيع الميكانيكي والآلي والإلكتروني والإشعاعي وإلى تصنيع المايكرو والنانو... إلخ.

ولعل تطور التصنيع سيستمر في التطور مسايراً لتطور العقل البشري، ولقد أثبتت التجارب العالمية أن صناعة السيارات قادت التصنيع إلى التقدم والتطور والانتشار على جميع المستويات الاقتصادية، ذلك أن السيارة تشتمل على ما يقرب من 13 ألف مكون، ومن هذه المكونات ما يحتاج إلى استثمارات كبيرة كتصنيع مكنة السيارة وناقل الحركة والأجهزة الكهربائية والإلكترونية، وتشكيل المعدن المكون للأبواب والأجزاء الخارجية،هذه المكونات تحتاج إلى مصانع كبيرة وذات تكلفة عالية، وهنا تدخل الاستثمارات الكبيرة لإنتاج تلك المكونات، والمجال متاح لاستثمارات أقل لإنتاج مكونات أخرى، كما أن هناك مكونات لا تحتاج إلا إلى منشآت صغيرة لإنتاجها ومنها مثلا الصواميل والبراغي وما شابهها. أي أن صناعة السيارات يدخل للاستثمار فيها المنشآت الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، فهي تشعل جذوة الحركة في الدورة الاقتصادية.

والدخول في صناعة السيارات لابد أن يتم في مراحل: المرحلة الأولى هي مرحلة التجميع، وهذه المرحلة تتم باستضافة إحدى الشركات، لتقوم هذه الشركة بتجميع نوع من أنواع من السيارات التي تنتجها، وخلال مرحلة التجميع هذه يتم تدريب قوى عاملة وطنية على صناعة التجميع، والاستفادة من الصناعات القائمة في البلد المضيف التي يمكن إضافتها إلى خط التجميع، وباستمرار هذه المرحلة تنشأ الحاجة إلى تصنيع مكونات ترى الشركة الأم أنه أكثر اقتصاداً لها أن يتم تصنيعها في البلد المضيف، إما بالاستفادة من ميز نسبية في ذلك البلد كوجود المواد الخام اللازمة لتصنيع ذلك المكون، أو رخص الطاقة أو الحصول على أيد عاملة أقل تكلفة من البلد الأم، وبذلك تنشأ صناعات لمكونات أخرى في البلد المضيف، فيزداد نقل التقنية، وتزداد الأيدي الوطنية المؤهلة في مجال صناعة السيارات، وتبدأ تنشأ مراكز بحوث وتطوير لتطوير صناعة المكونات، وهكذا تسير العجلة إلى الأمام نحو تطوير تقنية لتصنيع المكونات في هذا المجال الذي يحتاج إلى إنتاج 13 ألف مكون، ويشار إلى أن إحدى الشركات المنتجة للسيارات تمدها خمسة آلاف منشأة أخرى بين كبيرة ومتوسطة وصغيرة بالمكونات التي تحتاجها إلى تصنيع سياراتها، وهنا يبدو جلياً أن صناعة السيارات هي صناعة تفريخ للصناعات في عديد من المجالات الآلية والميكانيكية، والكهربائية والإلكترونية، وصناعات متعددة منها المعدنية والبلاستيكية، والمطاطية والخشبية، وصناعة المفروشات والصناعات الكيماوية، والصناعات الزجاجية، وكل صناعة من هذه الصناعات تحتاج إلى مصانع أخرى تمدها بالمواد الخام، والمكونات الأساس لاحتياجات منتجاتها، أي أن الصناعة الأساس تفرخ صناعات للمكونات، وهذه تفرخ صناعات للمواد الخام والمواد الأساس، لذا فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل صناعة السيارات صناعة ترف أم صناعة ضرورة؟

ومما سبق يبدو جلياً لأي بلد يريد أن يدخل مجال الصناعة والتصنيع من أوسع أبوابه وفي مختلف مجالاته أن يدخل مجال صناعة السيارات، فهي صناعة ضرورة لمن أراد التقدم في مجال التصنيع، ولمن أراد أن يثري الوطن في التقنية في مجالات عديدة، ولمن أراد أن يقدم قيمة مضافة إلى الاقتصاد الوطني بسلعة لا غنى عنها، فإما أن تكون تلك القيمة المضافة مضافة إلى اقتصاد آخر أو إلى الاقتصاد الوطني، وحيث إن مجالات استخدام السيارة متعددة، فإن البدء في صناعة التجميع في أي نوع من السيارات سيقدم قيمة مضافة للاقتصاد الوطني وسيؤدي إلى الانتقال من مرحلة استهلاك التقنية، إلى مرحلة إنتاج التقنية، خاصة أن الطلب على السيارات يتم في اتجاه زيادة السكان.

وهذا ما يفسر الإنتاج العالمي المتزايد من السيارات عاماً بعد آخر، والبلد الذي يدخل في هذه الصناعة لا يستطيع أن يركن إلى الهدوء والكسل، ولكن إلى الجد والعمل بالبحث والتطوير المستمر، لأن المنافسة شديدة، فإما أن يسير مع المقدمة، وإلا فإنه سيترك في المؤخرة، فيحرم من ميزة التقدم التقني في هذا المجال، أي أن الدخول في عالم صناعة السيارات عامل حفز ودفع إلى الأمام باستمرار لمتابعة مسيرة التطور والتقدم ولا مجال للتقهقر والتأخر. وهذا يجعل الدخول في صناعة السيارات ضرورة وليس ترفاً، في عالم يتسابق إلى الصناعة وصناعة التصنيع، إلى عالم القوة فيه للاقتصاد المتقدم، إلى عالم يتسابق في البحث والتطوير في التقنية لمجالات عديدة، وهذا ما حققته الدول التي دخلت مجال صناعة السيارات.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية