السبت, 31 أكتوبر 2026|19 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

إن الحياة بطبيعتها ليست نموذجاً رياضياً رقمياً لا تحمل إلا قيماً مطلقةٍ على غرار 1+1=2، ولكنها جبلت على الكدر الدائم، وصفوها لكل إنسان مدى العمر هو أمر محال وبعيد عن الواقعية.

والإنسان بطبيعته خطاءٌ، لكن السعيد من وعظ بغيره. فما خبرة الإنسان إلا حصيلة لمقدار التجربة والخطأ التي إما أن يكون قد تعرّض لها هو شخصياً وإما أن يكون قد شهد غيره يتعرض لها. وإذا أردت أن تسلم من الخطأ فلا تعمل شيئاً على الإطلاق فهذا هو الطريق الوحيد للسلامة من الخطأ! وليس عيباً أن يخطئ الإنسان إنما العيب في استمراء تكرار الخطأ نفسه لمراتٍ عديدة، وهو مصداق الأثر المعروف: ''لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين''.

والمواقف التي تمر على الإنسان في حياته ما هي إلا ملف للصور تخزنها الذاكرة وتستدعي منها ما تحتاج إليه إذا تشابهت الظروف، من أجل أن تستدعي القرارات التي سبق للعقل أن اتخذها في مواقف مشابهة، سواءً كانت هذه القرارات صائبة أو خاطئة! لكون التجربة السلبية هي أيضاً صورة من صور اكتساب الخبرة، وبمعرفتها يتسنى للمرء أن يجرب طرقاً أخرى للتعامل مع الحدث نفسه، تضيف بالتالي أسلوباً جديداً لمعالجة الأمور، وهذا الأسلوب بدوره معرضٌ لفشل آخر أو ربما نجاح!

وفي كثير من الأحيان تتشكل شخصياتنا ضمن أنماطٍ تتعامل بالطريقة نفسها مع الحدث ذاته، وبالتالي لن تحصل إلا على النتيجة نفسها بالطبع! فإذا أردت نتيجة مغايرة لما حصلت عليه في السابق فربما يكون قد آن الأوان أن تجرب طرقاً أو أساليب أخرى غير التي كنت تمارسها في ظروفٍ مماثلة. وهذا الأمر تحديداً يجعل من عملية مراجعة قراراتك الذاتية الخاطئة أمراً حتمياً لتقويم السلوك، لسببٍ بسيطٍ جداً وهو كونك الطرف الوحيد الثابت في تلك القرارات الخاطئة، وهو أمرٌ يعني أنك جزءٌ من مسببات هذا الخطأ، مما يدعوك للتفتيش عن مواطن الخلل في التعاطي مع هذه القرارات من خلال سماتك الشخصية، مع تجنب جلد الذات والدخول في دوامة اللوم اللانهائية! ومحاولة وضع يد التشخيص على مواطن الضعف والعمل على تقويتها عن طريق استثمار فرصة تعلم الدرس من تلك الأخطاء .. وهذا الأمر في غاية الصعوبة بالطبع، إلا أن دقة التشخيص ما هي إلا نصف الطريق إلى العلاج.

وعليه فإن التعاطي مع ماضيك بهذه الدرجة من الأريحية والانفتاح على مواطن القصور لديك يعد إحدى الخطوات المهمة نحو الارتقاء الذاتي. وتعد محاولة كتابة قصة حياتك بحلوها ومرها ونجاحاتها وإخفاقاتها في شكل نقاط تحول صنعت منك الشخص الذي أنت عليه اليوم، إحدى الطرق الشجاعة للاعتراف بأخطائك وكتابة تاريخك الذاتي ولو بينك وبين نفسك دون مرأى أو مسمعٍ من أحد. وهو أمر يساعدك على النمو وتجاوز جراح الماضي بتقويم نفسك ومعالجتها وإعادة بنائها بشكلٍ يعمل على تضييق الهوة بين ما أنت عليه وما تريد أن تكونه.

لذلك فإن عقد هذا النوع من التصالح مع ماضيك يجعل منك إنساناً دائم التطور والتحضر. بينما على النقيض من ذلك فإن التنكر لماضيك يجعل شيئاً منك لا ينتمي إليك باستمرار تنكرك أو رفضك له، وبالتالي يجعلك غير قادر على النمو لعدم قدرتك على تجاوز عثراتك، وبالتالي يصل بك الأمر إلى رفضك ذاتك! وهو أمر في غاية الخطورة ويتنقل بك ما بين رفضك مظهرك أو وظيفتك أو ربما أحد والديك! ولكن في حقيقة الأمر، فإن في كل بليّة بريق أمل، فكم نحن مدينون لأعدائنا لكونهم لقنونا كثيرا من الدروس! فكم من القرابين قد ذبح أو قل من التضحيات قد قدم من أجل أن نتعلم درساً راسخاً لا يمكن نسيانه يجعلك مجبراً على عدم تكرار تلك التجارب أو الأخطاء، أليس هذا جانباً إيجابياً يدفعك للتفكير بطريقة مختلفة فيمن أساءوا إليك .. لقد خاض كثير منا جملة من التحديات والصعوبات جعلتنا أكثر صلابة وتحملاً، أليس كذلك؟!

وبعد كل ما سبق، ألسنا مدينين لماضينا الذي صنع واقعنا الذي نعيشه اليوم؟ وشئنا أم أبينا فإن قبول ذلك الماضي الذي وقع وانتهى، لم يعد خياراً لأيٍ منا! وعلى كل عاقلٍ أن يقبل ماضيه كما هو مع استمراره في حب ذاته محبة الناصح لها والمشفق عليها، ساعياً في إصلاح نفسه وتقويمها .. فلم يكن بإمكانك أفضل مما كان ووقع .. وأمسُك لم يعد ملكاً لأحد ولكن ينبغي أن تحرص على يومك لتكون الأفضل على الدوام.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية