السبت, 31 أكتوبر 2026|19 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

ما حدث للأشقاء المسيحيين في جمهورية مصر العربية أو في العراق أو في لبنان من استهداف طال معابدهم ودورهم، وخاتلهم في مدارسهم وجامعاتهم وفي تنقلاتهم حتى ذهب منهم ضحايا وآخرون مكلومون جسدياً ونفسياً، يشكل انعطافة خطرة في مخطط الإرهاب، سواء كان بأصابع التكفيريين أو بتدبير من قوى خارجية. وهي انعطافة ظاهرها إفراغ ديار العرب من مسيحييها تحت وطأة فحيح الغلو من ناحية، وبدافع تمزيق الكيان الاجتماعي لكل قطر عربي، ثم الكيان العربي برمته من ناحية أخرى، سعياً لفرض بدائل ديموغرافية متجانسة الأيديولوجية تستجيب لمخططات جهنمية قد لا يدركها هؤلاء المنفذون الذين يستخدمون كأدوات لهذه المهمة القذرة.

قد يكون هذا، مما لا يخفى على كل من يتابع مجريات الأمور في الوطن العربي، وحجم الاستهداف بالغزو والهيمنة وتمرير مشاريع الاستقطاب وتكوين المحاور، غير أن هذا الواقع المراد له أن يكون عبر إشعال الفتنة تحت لافتة جاهلية الأمة مرة، وتحت نقاوة الإسلام والحاكمية والولاء والبراء مرة أخرى .. نقول إن هذا الواقع المراد له أن يكون تحت تلك اللافتات وسواها، ونجاحه في إحداث مظالم ومصائب وكوارث في الوطن العربي على وجه الخصوص، إلا أنه في كل مرة يستبسل فيها لإنجاز ما دفع لإنجازه من إرهاب وتخريب وقتل وعنف يجابه برد فعل عربي يأنف هذه الشنائع والمذابح ولا تغرر به مزاعم الحمية على الدين أو الغيرة على المسلمين، إذ إن السنوات الماضية، وكذا ما استجد من ردود فعل عن هذه الأعمال الوحشية الأخيرة، كانت ردود فعل لم تقف عند حدود الاستهجان والإنكار لها على مستوى القيادات، وعلى مستوى المؤسسات الدينية، وبأفواه ملوك ورؤساء ومشايخ وفقهاء ودعاة ومفتين من أقصى الوطن العربي إلى أدناه فحسب، بل إن المواطنين العرب في كل الأصقاع العربية، في القرى والمدن والصحاري كان رد فعلهم عفوياً .. رفعوا أصواتهم في إجماع على أن ما يحدث فتنة لعينة وعمل شاذ بجميع المقاييس، تأنف منه أخلاقهم العربية وسجيتهم الطبيعية، وأن الوقوف ضد هذا الإجرام لا ينطلق من باب الشفقة والعاطفة على من دهمهم الخطر، وإنما من قناعة راسخة بأن الجميع إخوة، وأن الدين لله، والوطن للجميع.

ومن الطبيعي أن السعودية، التي أطلق خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، منها الدعوة لحوار الأديان والثقافات وجمع في ساحة تسامح الإسلام أديان العالم وثقافاته، نقول: من الطبيعي أن تبادر القيادة إلى إدانة واستنكار هذا العمل الشنيع الذي حاق بالأشقاء في مصر في تفجير آثم استهدف كنيسة القديسين (قتل وجرح ودمر) في الإسكندرية، كما استنكر وأدان هذا الإجرام أصحاب الفضيلة المشايخ وكبار علماء الدين وفي مقدمتهم مفتي المملكة، فضلاً عن جميع المسؤولين ورجال الفكر والإعلام وعموم الشعب السعودي، وهو استنكار وإدانة لا يخصان هذا الحادث الأليم وحسب، بل يتعديانه إلى كل ما تعرض له المسيحيون في العراق أو غيرهم من الطوائف ممن تأذوا في الأمن على أنفسهم أو في أعمالهم ورزقهم حينما كانوا.

وبالتأكيد فإن مثل هذا الموقف العربي الرسمي والشعبي المستنكر المدين لمثل هذه الأعمال الإجرامية يمثل لمرتكبي هذه الجرائم وللمتآمرين على الأوطان العربية من ورائهم، حائط صد معنويا يفت في عضدهم وبالتالي يجهض مخططاتهم في جعل الفتنة تسعى، ما يدفع هؤلاء المجرمين إلى يأس قاتل في إمكانية كسب الجولة التي يمنون أنفسهم بها .. فالعرب وإن كانوا في وضع دولي حرج إلا أنهم قابضون على زمام كرامة أنفسهم أمة أو شعوباً، لا يمايزون بين المكونات الاجتماعية لا على أساس العرق والجنس، فكيف بالتميز في الدين والمذهب؟! فقد كانوا طوال تاريخهم خصوصاً الأموي، العباسي، الأندلسي، ثم عصر النهضة يصنعون مجداً مشتركاً أسهم فيه المسيحيون بريادات علمية وثقافية وحضارية مثلما فعل أشقاؤهم المسلمون وظل هدفهم معاً رفعة الأمة والدفاع عنها منذ الحملات الصليبية والاستعمار وقبلها، وهو بالتأكيد هدف أشد اليوم.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية