الآثار السلبية للعمالة الوافدة على دول مجلس التعاون الخليجي

|
تقف دول مجلس التعاون الخليجي اليوم على مفترق طرق، وليس لها من خيارات بديلة، فهي إما أن تسير في الطريق الصحيح، وإما أن تأخذ الاتجاه الخطأ الذي سيؤدي بها إلى نتائج لا تحمد عقباها. من وجهة نظري يمكن لدول الخليج أن "تهرب إلى الأمام!" لأن الذي يحاك خلف ظهرها يمكن أن يقضي عليها، وفي أقل احتمالات الخطر؛ سيكون مؤلماً وموجعاً لها إلى حد بعيد. إنني أدرك تماماً أن عبارة "الهروب إلى الأمام" في فهم المثقفين تختلف عن فهم رجال الأمن، ولكنني قصدت بهذه العبارة "الهروب إلى الأمام" هو أن نخطط تخطيطاً استراتيجياً بعيد المدى نسبق فيه القادم من خلفنا بزمن بعيد، وإلا فإنه إذا أركنّا ذلك "المتوقع" ـ لا قدر الله ـ فقد يغرس غمده في ظهورنا دون رحمة، وعلينا كمسؤولين أن نضع في الاعتبار هذه التساؤلات: ـــ ماذا لو... ؟ ـــ ماذا لو... ؟ ـــ ماذا لو... ؟ إن دول مجلس التعاون الخليجي تواجه أزمة حقيقية نلمس آثارها السلبية الآن، وليس غداً، فتعالوا ـ أعزائي ـ نستعرض هذه الآثار واحداً تلو الآخر: الآثار السلبية في الاقتصاد الوطني إن اقتصاد دول مجلس التعاون يتحكم فيه الأجنبي تحكماً لا يختلف اثنان على تأثيره الخطير فينا. أيها القوم: أسواقنا بيد من؟ محالنا بيد من؟ بضائعنا عند من؟ العوائد المالية الناتجة عن هذا الاقتصاد؛ تذهب إلى حسابات من؟ مساحات الأسواق؛ يحتكرها من؟ إذا حاول المواطن الخليجي أن يقتحم السوق، ليبيع ويشتري؛ تحاصره (مافيا) الأسواق الأجنبية، حتى تخرجه من المنافسة مهموماً مقهوراً؛ فاقداً كل ما لديه! وتتعامل معه كأنه دخيل على السوق، فوجوده سيشكل خطراً على تجار الجملة والمفرق من الوافدين الذين أكلوا الأخضر واليابس في بلادنا. فتجارة الأقمشة والإلكترونيات عندهم، وتجارة الخضراوات والفواكه والأسماك لديهم، وعندهم من الإبرة إلى أكبر رافعات البناء! أما المواطنون فكان الله في عونهم، حتى سيارات النقل لديهم لا تجد ما تحمله إلاّ إذا شارك الوافد المواطن، وبالتالي فقد يجد له سبيلاً إلى الاستفادة المحدودة من مزاولة النقل العام، لأن البضاعة التي تنقل هي بضاعة من وإلى الوافد، في السواد الأعظم من السوق. لقد حاولت دول خليجية عديدة أن تحرر أسواقها من هيمنة الأجانب، وباءت جهودها بالفشل الذريع؛ وتستطيع الحكومات أن تغيّر الأمور، وأن تجعل الاقتصاد الوطني في أيادي أبناء الوطن الخليجي؛ إذا فتحت الأسواق الخليجية لأهل الخليج على أوسع أبوابها. الآثار السلبية في الوضع الاجتماعي ترهلت الوظائف الحكومية في دول الخليج بالموظفين، وأضحى التضخم الوظيفي واضحاً للعيان، وأمسى المواطن الخليجي في عوز وفاقة، على الرغم من أن نسب التوطين في الوظائف الحكومية في دول مجلس التعاون الخليجي منخفضة، وكفة التوظيف للوافدين هي الكفة الراجحة في العديد من دول المجلس! وقد زاد الطين بلة أن المواطن، حتى في القطاع الخاص؛ لا يجد له موطئ قدم لوظيفة تكفي احتياجاته الضرورية. ولهذا؛ فإن البطالة ألقت بظلالها عاماً بعد عام، وتفاقمت أرقامها، ولم يجد الشباب في كثير من الأحيان السوق التي تستوعبهم، رغم أن أسواقنا تستوعب الملايين من الوافدين. وأطلت العزوبية برأسها على الحياة الاجتماعية، وبدورنا فنحن نعلم مساوئ الانعكاسات السلبية لهذه الظروف، حيث تزداد شريحة المسنين، وتقل شريحة المتزوجين والمنجبين من المواطنين، وتتكاثر العمالة الوافدة يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وعاماً بعد عام، وهكذا رويداً رويداً تذوب الكثافة السكانية الخليجية في خضم الكثافة السكانية الوافدة. الآثار السلبية في الأمن النفسي في العديد من دول الخليج العربي؛ هناك شعور لدى المواطن بالتذمر والقلق النفسي الناجمين عن الغربة في الأوطان، فنحن تعودنا أن يكون جيراننا أهلنا، وإخواننا، وأبناء عمومتنا، وأنسابنا، وأبناء أخواتنا، وخالاتنا، وجداتنا، وجدودنا، وعشائرنا.. إلخ، ولكن الذي حدث أن الذي يجاورك الآن في كثير من مدن الخليج؛ قد لا تعلم أبداً من هو، ومع الأسف الشديد، فإن جميع دول مجلس التعاون الخليجي يمكنها أن تعيد صياغة النسيج المجتمعي بطريقة تحقق للمواطن الخليجي الشعور بأنه بين أهله وذويه.. هذا إذا كانت المساحة السكانية والرقعة الديموغرافية ينتشر فيها أبناء الخليج كأكثرية، وليس كأقلية. الآثار السلبية في الجانب السكاني لماذا نجعل العمالة الوافدة تصل إلى هذا الحد الذي خلق معه شعوراً بأن الأرض "ترطن"، ولا تجيد لغة جزيرة العرب؟! التواجد السكاني أينما كان يشكل ثقلاً؛ شئنا أم أبينا، وهذا الثقل إذا لم يكن في صالح الوطن، فلماذا يكون أصلاً؟! فحيثما هاجر الإنسان، واستقر، ووضع رحاله، قلب الحال من وضع إلى آخر! هذه سُنة الحياة، وسُنة البشر! نحن لا نكره الأجانب أبداً، ولكن السؤال المهم: كم يمكننا أن نستوعب على أرضنا؟ 10 في المائة – 20 في المائة – 30 في المائة – 40 في المائة – 50 في المائة – 60 في المائة! هناك دول خليجية فاقت هذه النسبة، وهنا يكمن الأثر السلبي على هذه الطيبة التي نتمتع بها. ألا نخشى أن ينقلب هذا التسامح علينا بلا "تسامح"، ويشنه الوافدون ـ لا قدر الله ـ يوما ما تجاهنا؟! الآثار السلبية في القيم والتقاليد والعادات مما لا شك فيه أن المتابع للأوضاع الأسرية؛ يلحظ أن القيم والتقاليد والعادات في دول الخليج بدأت تتأثر إلى حد لا يستهان به بقيم وعادات وتقاليد وافدة! وعلى العموم فالمعروف أنه إذا اختلط الأكثر بالأقل تغلب الأكثر على الأقل فأثّر فيه، وهذا ما يحدث تماماً في دول مجلس التعاون الخليجي، فالظواهر التي أصبحت تطل علينا بوجهها القبيح؛ لم تكن ظواهر مألوفة، ومنها المدارس والجامعات ـ مثلاً ـ حيث تردد فيها ظواهر أضحت اليوم أمراً يقشعر له البدن، ولا يلتفت إليه؛ إلا من رحم ربي! الآثار السلبية في الجانب الإنساني كلنا يعلم أن نسبة العزوبية لدى العمالة الوافدة كبيرة للغاية، وهؤلاء ـ للأسف الشديد ـ منهم من يقع في المحظور، ويتورط في إنجاب أطفال يتركون لقطاء؛ لا أب لهم ولا أم. صحيح أن هناك أسراً خليجية تحاول جاهدة أن تتبناهم، ولكن لا يخفى على أحد الآثار الخطيرة التي تلحق بهذا اللقيط إنسانياً، فهو مجهول النسب. وقد يكون هذا الشيء عند "الغرب" اعتيادياً، ولكن في محيط الأسر العربية المسلمة يشعر اللقيط بالحزن والأسى طوال حياته. صحيح أن هناك من يتغلب على هذه الجوانب النفسية، ولكن الصحيح أيضاً أن الكثيرين من "اللقطاء" تلاحقهم هذه المأساة طوال حياتهم! الآثار السلبية في الثقافة الأجيال الجديدة في دول مجلس التعاون الخليجي أثرت فيها العمالة الوافدة من الناحية الثقافية، وعلى الرغم مما تبذله دول مجلس التعاون من جهود في هذا الصدد؛ إلاّ أن ثقافتنا اليوم تنتقل إلى أجواء غير عربية مطلقاً، فالأسر العربية الخليجية المرموقة أمسى الكتاب لديها أجنبياً، والرسالة أجنبية، والتلفاز أجنبياً، وحتى الحوار مع الإخوان أو الآباء بلكنة أجنبية. لم تعد "لغة الضاد" هي التي نشجع أبناء خليجنا على فهمها أكثر من أي لغة أخرى؛ وإذا أظهر طفلنا مهارة في اللغة؛ فلا تبدو إلا في اللغة الإنجليزية أو الفرنسية! أما في اللغة العربية، فلا نلمس هذه المهارة إلا في من ندر! وإذا كانت مكتبة أطفالنا تعج بالكتب الأجنبية، وتفتقر في المقابل إلى الكتاب العربي؛ فمصير لغة الضاد ليس سوى الاندثار شيئاً فشيئاً! الآثار السلبية في الأوضاع السياسية إن دول الخليج تتحمل أعباء سياسية؛ لا قِبَل لها بها، وذلك بسبب العمالة الوافدة التي جاءت إلى دول الخليج من مناطق لا تتوافر فيها الرعاية الاجتماعية والصحية والإنسانية؛ إلا ما ندر. وتضع دول الخليج العربي لها معايير للسكن، وللتأمين الصحي، وللرعاية الإنسانية على المستوى الذي يفوق الكثير من بلدان العالم، ورغم ذلك يثير قادتهم في الأحزاب الناشطة داخل بلدانهم الرأي العام الأممي، ضد الهيئات والمنظمات والشركات والحكومات الخليجية بدعاوى تحركها في كثيرٍ من الأحيان صراعات سياسية في الأحزاب داخل بلدانهم، مما جعل بعض الجهات الأممية المتحيزة تدين دول مجلس التعاون الخليجي بسبب، أو دون سبب! وقد توترت أوضاع دول خليجية بمثل هذه الضغوط التي مورست على دولنا في المنطقة. الآثار السلبية في الجانب القومي لقد خلفت العمالة الوافدة طبقة في المجتمع أطلقت على نفسها "البدون" أي دون جنسية، والحقيقة التي أدركها ـ شخصياً ـ باعتباري أمضيت أكثر من 40 عاماً أخدم في سلك الأمن؛ أن هذا الادعاء ما جاء إلا نتيجة توافد أجنبي غير مشروع "تسلل"، أو البقاء في البلدان الخليجية بصورة غير مشروعة، والتخلف عن المغادرة، في الوقت المفروض فيه مغادرة البلاد، وهؤلاء الوافدون ـ بشكل مشروع أو غير مشروع ـ لم يجدوا بُداً من الكذب والافتراء على الله، وعلى الناس، وعلى القانون، فادعوا أنهم (دون أوراق ثبوتية)، وفي حقيقة الأمر، فإن وثائقهم إما أعطوها لمن خرج بها وغادر الخليج، أو أتلفوها، أو أخفوها ودفنوها، ليأخذوها عندما يلزم الأمر! ولكن "البدون" في الخليج استطاعوا أن يؤلبوا الرأي العام، ويقلبوا الحقائق الباطلة إلى حق؛ ويحصلوا على جنسيات دول مجلس التعاون الخليجي، وهم يشكلون بحراً من البشر يتزايد يوماً بعد يوم، يلقون بمشكلاتهم التي لا حصر لها على الأوضاع في دول مجلس التعاون الخليجي، وسنجد أنفسنا يوماً أننا جنّسنا من (البدون) أكثر من أهل البلاد الذين يضربون بجذور انتمائهم القومي في عمق الدول العربية في الخليج! وهكذا كلما حلت مشكلة "البدون" ظهر قوم آخرون "بدون" والحبل على الجرار.. فإلى متى؟! الآثار السلبية في أمن الهوية العربية الخليجية على مدى الـ 50 عاماً القادمة، إن لم يكن قبل ذلك؛ قد نجد أنفسنا أمام محنة بكل ما تعني هذه الكلمة من حيرة وضياع، فقد تأتي قوانين عالمية تفرض علينا ـ لا قدر الله ـ إلزامية توطين كل من تواجد على أرضنا، وأمضى عشرة أعوام، وإلا يمكن أن يضعنا الخصوم على قائمة الدول "العنصرية"، أو الدول المقاطعة اقتصادياً، أو أي التفاف يمارسه البعض لضرب القلب العربي في الصميم، والقضاء عليه إلى أبد الآبدين, وهو أمر متوقع! لم يكن أحد يتوقع أن تُهاجم أمريكا بطائرات مدنية؛ فيدمر برجاها التجاريان في نيويورك، وهذا ما حدث، وأصبح ممكنا، ووضعت أمة التعايش السلمي على قائمة الإرهاب!! إذاً؛ لِمَ لا توضع دول الخليج على قائمة العنصرية، متى ما لزم الأمر؟!
إنشرها