على نمط ''ساهر'' والرصد الإلكتروني السريع وبناء منظومة إلكترونية خلال أشهر قليلة غطت أرجاء المملكة بشكل متكامل، هل يمكن لنا أن ننتج نظاما مشابها لصناعة البناء، يعمل بنمط مبتكر وتشكيل جديد يمكن أن نسميه (نظام ماهر.. مشاريع إنشائية هندسية رقمية) ومن دون عمالة؟ حيث نتطلع اليوم إلى أن نصنع نظما إلكترونية تساعد على تسريع ولادة الحكومة الإلكترونية لتخدم بشكل صحيح كل مناحي الحياة التي نعيشها في المملكة، ولذا قد يكون من المناسب أن نوجد بدائل في نظام صناعة البناء التي لا تزال تعمل بشكلها القديم ودون استخدام أي تقنيات إلكترونية, ما سبّب استقدام ملايين العمالة التي تقطن مدن المملكة, وما جعل هذه الصناعة غير قادرة على القفز بها لعالم رحب في صناعة البناء والتشييد، علما بأنها تعد ثاني أكبر صناعة بعد النفط في المملكة، وتعمل بحجم مهول يقدر بأكثر من 700 مليار ريال, ما يجعل من السهل إلزام الشركات وربط الأحزمة في هذا النظام الجديد والجميل، الذي يتطلب فقط إعادة صياغة عالم البناء والإنشاءات التقليدي بشكل جذري.
إن عالم البناء والإنشاءات اليوم يعيش تخلفا وهدرا اقتصاديا كبيرا, وذلك من جانبين مهمين، الأول: هو المواد المستخدمة لهذا النظام حيث لا تزال بعض المنشآت تستخدم مواد القرن الماضي من لفائف الخيش وحلول لعدم تعشيش الخرسانة وما إلى ذلك من مواد وأنظمة كهربائية وميكانيكية عفى عليها الزمن، وتعمُّد إغفال كثير من النظم الحديثة للمباني الذكية والمواد الحديثة. والجانب الآخر المهم في تقليص العمالة أو الاستغناء عنها هو: نظم التشييد لهذه المواد وهي لا تزال تستخدم الأدوات نفسها التي تستخدم في القرن الماضي إن لم يكن في القرون الوسطى, حيث تنقل المواد بطرق بدائية ونظم تقليدية لا تزال يعمل بها حتى اليوم ويصبح إنشاء المبنى يتطلب سنين عديدة لأن المعدات المستخدمة لا يمكن لها أن تسابق الزمن في مثل هذه الحالة وهي بهذه النوعية من المعدات.
وتعمد أغلبية الجهات إلى إعداد المواصفات من خلال تصويرها في استنساخ لمواصفات قديمة، تستخدم النظم التقليدية للبناء بالخرسانة وأعمال اللياسة والبلاط, هذا في المجال العام, أما على نطاق المباني الخاصة التي تكون المواصفات في ذهن المالك ولا تكتب إلا بعد أن يرى جاره أو الأبنية التي يزورها, ولذا تصبح العمارة أحجية لا تعرف كيف ستصبح إلا بعدما ينتهي البناء، ونجد خلطا لا يكاد يصدق يدفعه رخص العمالة التي تعمل في هذا المجال مما زرع الأرض من عمالة تجوب الشوارع والطرقات وتعمد إلى (بخاخ) يشوه الحوائط ليكتب ما يشاء (معلم قرميد .. معلم رخام .. سباك .. إلخ) ويصطاد من فرائسه في كل حي، ثم ما إن يضع مخلبه في ذلك البيت حتى ينتقل إلى بيت آخر ينشب مخلبه فيه حتى يكسب مكاسب أكثر في فترة وجيزة غير آبه لما يحدثه ذلك من تأخير لتنفيذ تلك المباني.
وحينما ننظر إلى التقنيات الحديثة في عالم البناء والإنشاء نجد أننا نستطيع أن نحدث من خلالها تقليص الزمن اللازم لإنشاء تلك المباني, كما أنها ستؤدي إلى ضمان جودة تلك المنشآت، وهذا وذاك سيعملان على تقليص العمالة السائبة التي هي في واقع الحال يقذف بها في سوق العمل دون أي مهارة ويتم استقدامها لتكون منشآتنا معاهد تدريب لهم.
من خلال البحث في ''قوقل'' اتضح لي أن هناك نظاما يدعى ـــ ماهر ـــ وهو برنامج تدريبي تأهيلي، وذلك بالاتفاق بين كل من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن كجهة مسؤولة عن التعليم والتدريب، وصندوق تنمية الموارد البشرية كجهة دعم وتمويل لتكاليف البرنامج, ولذا ربما أتخلى عما ذكرته آنفا من برنامج ماهر لأتضامن مع هذا البرنامج الطموح الذي يهدف إلى تدريب الكوادر الوطنية، طالبا منهم أن يضيفوا مجالات صناعة البناء إلى هذا البرنامج.
وبدءا بالهيكل الإنشائي وجعله على شكل قوالب تستخدم رافعات معينة ومهارات مدروسة ومرورا بأعمال الكهروميكانيكية التي تستخدم نظما إلكترونية غاية في الدقة وانتهاء بالتشطيبات، يمكن إحداث نقلة تقنية يعمل فيها تقنيون ماهرون يحملون مؤهلات من ''ماهر'' وهم شباب سعوديون يمكن أن يعملوا بمثل هذه الآلات التي تتطلب دقة ودراية، عندها يكون عمل الحكومة الإلكترونية متناغما مع تلك الصناعة المهمة.
وربما نستقدم اليوم من الآلات التي تساعدنا في إنجاح تلك الصناعة، أما الغد الواعد فهو دخول الإنسان الآلى عالم الإنشاءات وعندها فإن عدد التأشيرات للعمالة البشرية سيتضاءل بشكل مذهل، لكن السؤال الذي سبق أن طرحته وهو: هل هذه العمالة الآلية ستدخل ضمن نسبة السعودة أم أن وزارة العمل ستعتبر ذلك مخالفة صريحة لنظام العمل والعمال وتطلب وتطالب بتأشيرات خاصة لتلك العمالة وبطاقة عمل لكل إنسان آلي؟
