تبدو من أعقد المشكلات التي تواجهها الأسرة السعودية, مشكلة هروب خدم المنازل وعلى الأخص الخادمات والمعاناة مع وضع الأسرة, خصوصا عندما تكون ربة الأسرة موظفة وتحتاج إلى خادمة للقيام بالأعمال المنزلية وتخفيف ضغوط الواجبات المنزلية عنها, حيث يقف رب الأسرة موقف المتفرج من ظاهرة لا تتوقف. ويبدو أنها تتزايد حتى أصبحت قلقا دائما واستنزافا ماليا لا ينتهي عند حد, حيث يبدأ في تقديم طلب استقدام جديد، ودفع كامل تكاليفه، والقبول بما تسفر عنه حظوظه السيئة أو الجيدة.
إن من يقف على حجم المشكلة من الناحية الاقتصادية للأسرة والأمنية للمجتمع, ومن حيث حجم المخالفات التي يرتكبها الأطراف الذين يعملون في مجال تبادل خدمات العاملات الهاربات، وتحصيل مبالغ مالية من وراء تلك الممارسات, يستطيع أن يؤكد أن الحلول ليست في يد رب الأسرة, بل في إعادة تنظيم سوق عمل الخادمات. وسبق أن شرعت الجهات المختصة في طرح فكرة توحيد مكاتب الاستقدام في شركات محدودة تتولى حفظ حقوق الأطراف وتمنع التلاعب, الذي يبدو كسراب لا نهاية له.
إن أنظمة الإقامة والعمل واضحة في موقفها من هروب العمالة أو تشغيل العمالة غير النظامية, فهي مخالفة لا يمكن تبريرها تحت أي اسم سوى فتح باب الابتزاز، وتحصيل مبالغ على شكل عمولات يجنيها أولئك الذين يعملون في سوق تشغيل العمالة الهاربة, وهي أصبحت خدمة وتجارة يمارسها بعض المقيمين ممن خبروا سوق العمل السعودية. والأسوأ من ذلك وجود من يشغلون تلك العمالة الهاربة التي تتحول إلى عمالة غير نظامية ومخالفة للتعليمات، يكون المتضرر الأول فيها هو رب الأسرة الذي يخسر ولا يجد من يستطيع حل مشكلته سوى بدفع مبالغ جديدة. وهكذا يستمر عمل مافيا الخادمات.
لقد أصبحت الحلول أمام الأسرة هي السير في الاتجاه الذي تفرضه العمالة ومن يقف خلفهم من ممارسي الابتزاز, وذلك باللجوء إليهم لتوفير خادمة بديلة تعمل بأجر شهري رغم ما في ذلك من مخاطر صحية وأمنية على الأسرة وعلى المجتمع بصور عامة متى تم الانسياق خلف هذه البدائل عالية الخطورة. ومع الأسف, فإن هناك من يعملون من منازلهم لتوفير هذه الخدمة, وذلك لوجود قائمة طويلة من العاملات الهاربات والسماسرة الذين يتقاسمون حصيلة أعمالهم غير المشروعة.
إن إجراءات الاستقدام أعقد بكثير من إجراءات تشغيل عاملة هاربة, وعند الاضطرار لن يفكر أحد في التفريق بين الصواب والخطأ, لذا فإن التعجيل بحلول جذرية هو أفضل وأقصر الطرق نحو تخفيف ضغوط عمل الجهات المعنية بالعمل والاستقدام وتوفير مزيد من الخسائر على الأسرة, وكذلك حفظ حقوق العاملات المالية وضمان سدادها في أوقاتها.
لقد تبنت وزارة العمل إعداد لائحة لعمل خدم المنازل تهدف أساسا إلى حفظ حقوق المواطن والعامل, كما سعت اللجنة الوطنية للاستقدام في مجلس الغرف السعودية، بالتعاون مع اللجان المماثلة في الدول المرسلة للعمالة، إلى التأمين على هذه العمالة بما في ذلك حالة الهروب وصياغة وثيقة تأمين ضد هرب العاملات والخدم في المنازل عموما، وهي لا تزال تحت البحث حتى اليوم.
إن العلاقة بين الأسر وخدم المنازل أصبحت في حاجة إلى من يقف في المنتصف ضامنا لحقوق الطرفين. وقد تحولت هذه الفكرة, التي ليست بجديدة إلى تصور يتضمن وجود شركات تقدم فرص العمل لخدم المنازل، وتقدم العمالة المؤهلة إلى الأسر بحسب الاحتياج، ولا تزال السوق تنتظر ميلاد تلك الشركات أو اندماج مكاتب الاستقدام في شركات متخصصة لهذا الغرض, الذي أصبح الحل الوحيد.
