الاثنين, 2 نوفمبر 2026|21 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

لم يقم مجلس التعاون لتحقيق وحدة دول وشعوب الدول الست كما ورد في النظام الأساسي أو في الاتفاقية الاقتصادية لعام 1981 التي عدلت في عام 2000 وأبعدت هذه الفقرة منها, إنما قام المجلس لظروف طارئة توترت وتصاعدت بعدها حتى شكلت تهديداً لأمن دول المجلس. ومما يعزز هذه النظرية أن التهديد هذا ما زال قائماً وإن زالت نذر الحرب, لكن أسباب التهديد ومصادره ما زالت قائمة وإن اختلفت حتى في أهدافها وتوجهاتها. والتهديدات الأمنية بمفهوم الأمن الشامل لا تقتصر على التهديدات العسكرية وحدها, واليوم هناك تهديدات اقتصادية كانت قاسية أثناء الأزمة الاقتصادية والمالية التي اجتاحت العالم بأسره وآثارها المكلفة على اقتصادات دول المجلس عند انخفاض أسعار النفط إلى 30 دولاراً للبرميل الواحد بعدما وصلت عام 2008 إلى 140 دولاراً.

وهناك التهديد في البنية السكانية ووجود أعداد كبيرة من العمالة الوافدة التي تحول سنويا نحو 140 مليون دولار, التي توازي في عددها أكثر من 50 في المائة من التعداد السكاني لدول المجلس, فإذا تراجعت في بعض الدول لتراجع مشاريع التنمية فيها، فإنها تزايدت في بعضها مثل قطر نظراً لتزايد مشاريع البنية التحتية ومشاريع التحدي المستقبلي لعام 2020, وتقول بعض المصادر إن على قطر أن تستثمر ما يوازي 100 مليار دولار خلال الأعوام العشرة المقبلة, هذا إذا لم تلغ هذه التحديات وتأثيرها هوية دول المجلس من تزايد لأعداد الوافدين والتحول إلى تجنيس العدد الأكبر منهم, كما يتم في بعض دول المجلس وبشكل لافت للمتابع، وما ينتج عن هذا التوافد من تأثير اجتماعي خطير في تصعيد المنافسة بين الوافد والمواطن والمزايا التي يتمتع بها الوافد ويفتقر إليها المواطن والحقوق المكتسبة لهذا الوافد في الجانبين القانوني والواقعي مما يجب الالتفات إليه. لقد تابعت الحوارات التي عقدت أخيرا في البحرين, التي تبناها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS والمداخلات التي أثيرت, وكذلك كتابات بعض المحللين الأجانب في الصحف الخليجية عن الوضع الأمني في الخليج ومصادر التهديد. وكذلك الرؤى الخليجية التي تطالب في نهايتها بإقرار استراتيجية للتصدي لتلك التهديدات وردع مصادرها بأطروحات قد تبدو براقة أو رنانة لكنها على المدى البعيد غير عملية لأنها لا تعتمد على تحليل خليجي دقيق من متابع قريب الصلة ذي مصلحة مباشرة أو من مصادر لها مصلحة في تشويه الصورة والمبالغة والتضخيم في حجم الخطر, وهذا أحد عيوب هذه المؤسسات القائمة على المبدأ التجاري البحت. فالقول مثلاً إن مصدر التهديد (بالتحديد) هو إيران التي تمتلك قوة نووية رادعة ولأن إيران لها مطامع في الخليج، فإن تلك المقولة يراد بها استفزاز الجانب العربي الخليجي ودفعه إلى إقرار مشاريع ضخمة لامتلاك الطاقة النووية للاستخدام السلمي وهذا ما تقوله إيران كذلك. فلماذا لا يشار في هذا الجانب إلى الهند وباكستان شرقاً وإسرائيل غرباً وهي تمتلك قنابل نووية وتمثل قوة نووية رادعة, وهي من أسلحة الدمار الشامل. أو أن هذه الجهات والدول لها مصالح في بيع تكنولوجيا الطاقة النووية أو تسويق أسلحة بلغت مئات المليارات أو للجوء بعض دول المجلس إلى الاستعانة بتلك الدول عند بروز أي خطر كما حدث في غزو صدام حسين للكويت وإقامة قواعد ثابتة على أراضيها. ولذلك فإن الوجود الأمني الأجنبي في المنطقة يعتبر تهديداً للحكومة الإيرانية قبل أن تنطلق نداءات متعددة بتوجيه ضربة عسكرية لإيران إما مباشرة وإما عبر وسيط له مصلحة في تأجيج الأزمة. ومن هذه الأطروحات كذلك إيجاد بديل من المنطقة نفسها قد يحقق توازناً عسكرياً أو مدنياً ـــ وأعني به الهند التي تمتلك وجودا تاريخيا يعود للقرن السابع عشر الميلادي والآن يتنامى هذا الوجود بتنامي المصالح المشتركة. هذا مع تشجيع الصين هي الأخرى بأن يكون لها وجود اقتصادي من خلال المشاريع المشتركة والاستثمارات الهائلة لتخفيف الوجود الإيراني ـــ كما يعتقد البعض ـــ متناسين أن إيران تطل على الخليج من ناحية الشرق ابتداء من شط العرب شمالاً إلى مضيق هرمز جنوباً. إن هذه الأطروحات يراد بها إشغال أهل الخليج عن قضية الأمن وهي قضيتهم الأولى منذ قيام المجلس.

إن أهل الخليج الذين حافظوا على ترابهم وتراثهم خلال القرون الماضية قادرون على المحافظة على أمن وسلامة دولهم وشعوبهم دون الحاجة إلى أي سيناريو أو تحليل أو توجيه لا يشارك فيه أهل الخليج. لقد تعودنا مثل هذه الأطروحات وتشكلت لدينا الخبرة الكافية لتقييم الوضع الأمني في الخليج، وإن على قادة دول المجلس منح الثقة للعناصر الوطنية وأنه آن الأوان لإقرار الاستراتيجية الأمنية لدول الخليج الست دون الاستعانة إلا بالخبرات التي تختارها للمساعدة على وضع الاستراتيجية وأننا لسنا في حاجة ـــ كما أشار بعض السياسيين الخليجيين أخيرا ـــ إلى إنشاء جيش خليجي معزز بالكفاءات البشرية والمادية والقتالية للدفاع عن دول المجلس لأننا لا نريد أن نكرر سياسة الأحلاف مثل الحلف الأطلسي. ولا أن نكرر تجربة درع الجزيرة الضعيفة, لكن بتعزيز التعاون والتنسيق وتوزيع الأدوار كل دولة حسب إمكاناتها المادية والبشرية وموقعها الاستراتيجي وتاريخها القتالي وتقدمها العسكري وخلق قيادات عالية التدريب رفيعة التأهيل, لأن القيادات التقليدية لم يعد لها وجود, كما أن الأسلحة التقليدية ثقيلة الحركة لم يعد لها هي الأخرى وجود في منظومة الأساليب العسكرية والقتالية والتكتيكية المتطورة. على أية حال على دول المجلس أن تبادر إلى وضع استراتيجية أمنية عليا تنصهر فيها المفاهيم والرؤى:

ـــ ألا يقتصر المفهوم الأمني على الجوانب العسكرية والمعلومات الاستخبارية.

ـــ أن يكون مفهوم الأمن واسعاً ليشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية حتى يشمل توفير الغذاء والدواء لمجتمع استهلاكي ديناميكي النمو.

ـــ أن يتم الاتفاق على تحديد مصادر التهديد والخطر ومصادر مستوى الردع، في ساحة اتسعت فيها رقعة التهديدات لتصل إلى الجوانب الفكرية في الدين والعقيدة وغسل الأدمغة, والاستفادة من بعض الأوضاع السياسية والاجتماعية القائمة لتجيّرها لمصلحة قضيتها الأزلية, وهي العلاقة بين الحاكم والمحكوم ومفاهيم الديمقراطية المستوردة الهشة.

ـــ الشباب وقضاياه محور مهم من محاور الاستراتيجية, فقد يكون هذا العنصر عامل أمن واستقرار، وقد يحوله البعض إلى معول هدم وربطه بقضايا التنمية المستديمة الشاملة.

ـــ إعادة النظر في مفهومنا للعلاقات الخليجية ـــ الخليجية، أي 6 + 2 كما كنت أكرر دائماً أن أي صيغة تعاون بين الدول الثماني قد يكون أحد الحلول المطروحة لمشكلة المفهوم الأمني الخليجي الشامل ولا يمكن إبعاد إيران والعراق.

ـــ أن ما يؤرق شباب الخليج اليوم وهو الشباب المثقف الواعي والمفكر .. هذا السؤال الذي لم يجب عنه أحد حتى الآن.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية