المراجعة الداخلية .. ما بين الواقع والمأمول

|
لا يخفى على أهل الاختصاص وأصحاب الشركات والمشاريع المختلفة الكبرى منها والصغرى وكذلك الجهات الحكومية، أهمية المراجعة والتدقيق الداخلي والدور الحيوي الذي لا يكاد ينفصل عن العمليات والأنشطة المالية والتشغيلية المتنوعة التي تسعى المنشأة من خلالها إلى تحقيق أهدافها سواء الربحية أو الخدماتية؛ حيثُ إن المراجعة الداخلية وُجدت لتحقيق أهداف المنشأة ورسالتها، والتقليل من المخاطر المحتمل حدوثها، وإيجاد بيئة رقابية مناسبة يستشعر كل فرد من أفراد المنشأة المسؤولية التامة للأعمال المكلف بها، وتحقيق النتائج المرضية المقدمة للإدارة العليا والجهات التنفيذية والمديرين المباشرين، وهو الأمر الذي يفرض على موظفي المنشأة الالتزام بالسياسات والإجراءات المعتمدة سواء من قبل المنشأة أو من الجهات الحكومية وغير الحكومية الأخرى المرتبطة بها، ما تساعد على تقليل المخاطر المحتملة، وتقلل من أثرها إذا وقعت ـــ لا قدر الله؛ لذلك أصبح الاهتمام بالمراجعة الداخلية في السنوات الأخيرة خاصة بعد انهيار الشركة العملاقة للطاقة ''إنرون''، وما تبعها من انهيارات أمرا ملحوظا وبالغ الأهمية دفع بكثير من المؤسسات المالية والشركات العملاقة والمتوسطة اقتصاديا إلى مراجعة أنظمتها وأدواتها الرقابية من جديد تجنباً لحدوث تجاوزات تخل بقوتها الاقتصادية وأنشطتها التشغيلية، وتلحق بمن سبقها من المنشآت المتعثرة، التي كانت نتيجة انعدام وجود البيئة الرقابية المنضبطة، وهو الأمر الذي لا يختلف عليه أحد، والتي كادت لم تكن ـــ بعد إرادة الله ـــ بالحجم والآثار المشاهدة لو كانت هناك بيئة رقابة داخلية تقوم بمهامها على أكمل وجه وفق المعايير وضوابط المهنة المعتبرة. وهنا في الحقيقة لا أقلل أو ألغي من أهمية المراجعة الخارجية والجهات الرقابية الأخرى، التي تعد جهة رقابية مهمة ومساعدة للمراجعة الداخلية في مهامها الرقابية، وكلاهما مكمل ومراقب للآخر، ولكن أتحدث عن أهمية المراجعة الداخلية ودورها الرقابي المهم خاصة بعد الأزمة الاقتصادية الجديدة، وما كان لإحدى شركات المراجعة الخارجية الكبرى من دور في ذلك، كما أن غياب الوعي عند بعض المنشآت، التي تعمل بنظام المركزية في القرار كان أيضاً سببا في تعميق الأزمة الاقتصادية الجديدة، ما جعلها في خطر فعلي وكلفها الكثير. أصبح العالم ـــ كما ذكرت سالفا ـــ خاصة في السنوات القليلة الأخيرة ومع ''الأزمة المالية الجديدة'' مهتما فعلاً بوجود المراجعة الداخلية كمهنة، وتفعيل دورها بوصفها جهازا رقابيا مهما داخل المنشأة لها معاييرها التنظيمية وضوابطها المهنية، حيث إنها تقدم الخدمة في شكل تقارير للمستفيد الداخلي في المنشأة، إلا أن نضوج الفهم لم يكتمل لدى البعض، خاصة لمن هم غير المختصين في هذا الشأن، حيثُ يعتقد البعض أن المراجعة الداخلية، وهو ''الاعتقاد الخاطئ''، غاية لتحقيق أهداف المنشأة، وأنها يجب أن تعطي رأياً تأكيدياً ومطلقا للإدارة ومجلس الإدارة، وغير ذلك من المفاهيم الخاطئة التي تعكس عدم اكتمال الوعي الثقافي لطبيعة دور مهنة المراجعة على وجه العموم، كما أن المراجعة الداخلية لم يكن لها الوجود الفعلي قبل العقد الحالي، الذي ساعد على تعميق فجوة عدم الفهم لدى البعض لطبيعة أهداف ومهام المراجعة على وجه العموم، هو المفهوم التقليدي في الإدارة، الذي لم يكن كما عليه الحال الآن، حيثُ إن العقلية الإدارية الحديثة تؤمن بمفاهيم جديدة ومغايرة لما كان عليه الحال في السابق، وذلك لاتساع حجم الشركات في الوضع الراهن، التي لا يمكن السيطرة عليها بالعقلية ''المركزية''، التي كانت تسيطر آنذاك؛ لذلك أصبح الحديث عن حوكمة الشركات (Governance)، والضوابط المهنية، والالتزام بالإجراءات والسياسات، وكذلك المطالبة بتحويل الشركات العائلية إلى مساهمة، حديث الساعة لدى المهتمين والمراقبين للشأن الاقتصادي. يقول جيرمي نيومان، رئيس شركة BDO العالمية، وهي واحدة من أكبر ست شركات محاسبية في العالم، ''إن من المؤكد أن هذا التمحيص الجديد''، أي الأزمة الاقتصادية الحالية ''ستحيي من جديد الجدل السابق حول ما يستطيع المستخدمون أن يتوقعوه من مراجعة الحسابات، وما يسمى ''فجوة التوقع'' الموجودة بين مراجعي الحسابات وكثير من المساهمين''. وقال: ''نحن في حاجة إلى أن ندرك أن طبيعة الشركات تغيرت. أصبحت الأعمال الآن أسرع من ذي قبل وأكثر ارتباطاً وأكثر عالمية، وأصبحت مختلفة تماماً عن طبيعة الأعمال التي كانت سائدة في القرن الماضي''أ.هـ. فكل ما بني في القرن السابق من نظريات ومبادئ اقتصادية وإدارية أصبح اليوم بمنزلة النظريات التقليدية التي يستحيل تطبيقها والعمل بها في عصر العولمة والتطور التقني، إلا ما كان منها قابلا للتطوير والتكييف مع هذه النقلة الفكرية العلمية والعملية الهائلة، سواء في مجال الإدارة أو الاقتصاد، وأصبحنا نشاهد مدارس فكرية اقتصادية وإدارية حديثة مواكبة ومشاركة في صناعة الحضارة والتطور التقني؛ كل ذلك وغيره من العوامل والمسببات كانت سبباً رئيسا في إيجاد مفهوم ''الرقابة'' بصوره المختلفة التي نشهدها في كل شيء حتى اقتحمت حياتنا الخاصة، فالإنسان بطبيعته ليس معصوماً من الخطأ، كما أن الأنفس الضعيفة وشرار الخلق موجودون في كل زمان ومكان، وبقدر ما يزداد حجم التحايل والسرقات والأخطاء البشرية والتقنية، فإنه يجب في المقابل تطوير الرقابة وأدواتها لتكون صالحة وقادرة على فهم تلك المخاطر التي قد تحدث أزمة اقتصادية بحجم أزمة ''ليمان براذرز'' وبناتها التابعة لها؛ لذا كانت المراجعة الداخلية إحدى أهم الأدوات الرقابية التي تحفظ للمنشأة أصولها، وللأنشطة أهدافها، والتقارير دقتها، والقوائم صحتها، فهي تعمل على المحافظة على ''البيت الاقتصادي'' من الداخل؛ لتحفظ له الاستمرارية، وتقلل من مخاطره، وتحقق أهدافه. وبحسب خبرتي الوليدة في مجال المراجعة لا تزال ـــ في نظري ـــ هناك عوامل وأدوات رئيسة تحتاج إلى تنمية وتطوير وفق ثقافة ورؤية جديدة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالعنصر البشري الذي هو المعني أخيراً بنتائج عملية المراجعة، فعندما أكون في مهمة تدقيق كنت أرقب ومن أول وهلة لي في هذا المجال ظواهر هي بمنزلة ــ ربما ــ معوقات لمهمة المراجع، التي تحتاج إلى قراءة دقيقة وبحث مستفيض لمعالجتها وتحقيق نتائج سليمة ودقيقة في الوقت نفسه. من هذه الظواهر ظاهرة ''الرهبة'' لدى بعض الإداريين والموظفين المعنيين بعملية المراجعة، حيث إن المدقق يحتاج إلى بيانات صحيحة لكي يكون قادرا على إجراء العمليات اللازمة والخروج بنتائج يستطيع من خلالها إعطاء الحكم المهني والنهائي للمهمة، من خلال التقرير المقدم لمجلس الإدارة أو الجهة الإدارية المعنية بذلك في المنشأة، وهذا لا يمكن أن يتم في ظل هذه الرهبة التي تدفع ''العملاء'' ـــ كما تتم تسميتهم مهنياً ـــ إلى تقديم البيانات إما ناقصة أو مغلوطة أو إخفاء دلائل وقرائن يمكن التوصل من خلالها إلى مخاطر تتمثل ربما في أخطاء أو اختلاسات لا يمكن رصدها بصورة مباشرة؛ لذا لا يمكن فصل العامل النفسي لدى الأشخاص المعنيين بمهمة المراجعة وبين جودة النتائج المطلوب تحقيقها من خلال مهمة المراجعة للوصول إلى الأهداف المنشودة، ومن الملاحظ أن الاهتمام كان منصبا في السنوات السابقة على مهام مهنة المراجعة الداخلية، كما كان التركيز على الأدوات العملية للمهنة دون النظر إلى العوامل الأخرى كالعامل النفسي، الذي لهُ تأثير حالي ومستقبلي في المخرجات النهائية. فقد اطلعت على أبحاث ومواقع عدة متخصصة وبعض الكتب المهتمة بأمر المراجعة، وفي الحقيقة لم أجد من تلك الجهود الرائعة والمبدعة ما يمكن القول إنها قدمت ما يعالج هذه الظاهرة المهمة جداً رغم وجود المعايير المهنية التي تأخذ في الحسبان مثل تلك الظواهر بصورة مباشرة؛ إذاً نحن في حاجة ماسة إلى قراءة فكرية تطويرية جديدة لمهنة المراجعة لنوجد من خلالها الآلية السليمة لتكييف العلاقة ما بين المدقق والأقسام المدقق عليها، وإيجاد حلول لبعض العقبات التي تواجه المراجع وتجعل من عملية التدقيق أكثر تعقيدا، وذلك في ظل المعايير المتاحة والمعطل استخدامها ـــ مع الأسف ـــ من قِبل بعض المعنيين بهذا الشأن، وتكون المبادرة من قبل أصحاب الخبرات مهنياً لقناعتي التامة بأن تحقيق ''النضج المهني'' ـــ إن صح التعبير في مجال المراجعة ـــ مبني على عوامل عدة أهمها الخبرة المبنية على الفهم الصحيح للمهنة والممارسة المتقنة.. كما أن غياب الثقافة التي تبين أهمية دور الرقابة في تحقيق الأهداف وتفادي العقبات أحدثت فهما خاطئا لدى البعض، ما ذهب بهم إلى الاعتقاد بأن الهدف من عملية المراجعة هو الإطاحة بذلك المدير أو معاقبة ذلك الموظف البسيط، وهذا بلا شك ناجم عن الفهم القاصر للمهنة ودورها اللصيق في تحقيق الأهداف، الذي أشبه ما يكون بدور الرقابة على الجودة لتحقيق الأهداف المكتسبة من المنتج. إذاً، فإن المراجعة الداخلية تصب أولا وآخراً في مصلحة العمل ككل، كما أنها تقدم خدمات أخرى للإدارات والموظفين، وذلك من خلال بيان الأخطاء والثغرات التي قد تتسبب في إحداث خلل في العملية التشغيلية أو المالية، كما أن التثبت من تطبيق السياسات والإجراءات المعتمدة لا يعني أن هناك ''سوءا للظن'' في الإدارات أو الأقسام أو الموظفين المدقق عليهم، بل لتصحيح مسار العمل وفق السياسة لتحقيق الأهداف المخطط لها، ورفع كفاءة الأداء، وضمان الثقة بالقوائم المالية، التي يحتاج إليها المستفيد الخارجي، فالمستفيد الخارجي الحالي أصبح أكثر وعياً وفهما لطبيعة المنشأة، ولقوتها الإدارية والاقتصادية، وقدرتها على تحقيق أهدافها، ولا يمكن أن يكون ذلك ما لم تكن هناك بيئة رقابية تتماشى مع ذلك كله، فكلما كانت الرقابة الداخلية محكمة فإننا يمكن القول إننا حققنا بيئة عملية صحية كفيلة بتحقيق الأهداف. من المظاهر الأخرى التي تحتاج إلى قراءة عميقة بمنظور حديث وضبط مهني عال إيجاد معايير تضمن استمرارية فاعلية عملية المراجعة لضمان توافر البيئة الرقابية باستمرار، كما يمكن الاستفادة من التقنيات والبرمجيات الرقابية والمتخصصة في ذلك.. كما أن غياب المسؤولية القانونية للمراجع الداخلي مع وجود الصلاحيات التي يتمتع بها داخل المنشأة في إطار عملة قد تجعل من المراجع أكثر تقاعسا في أداء عمله، بل ربما الإساءة إلى الآخرين، وذلك من خلال صلاحياته المهنية دون تقيد بمعايير آداب وسلوك المهنة، وبناء على ذلك أعتقد أننا ما زلنا نحتاج إلى تطوير للمهنة في إطار المعايير المتاحة، وذلك من خلال إعادة القراءة للثقافة المغلوطة التي يعتقدها بعض الأشخاص غير المهنيين لمهنة المراجعة، بل حتى للمهنيين الذين يمارسون أعمالهم بطريقة خاطئة وسلبية في الوقت نفسه ظناً منهم أن ذلك جزء من الأسلوب الرقابي للمهنة، ويعتقدون أنهم بذلك يحسنون صنعا.
إنشرها