الجمعة, 30 أكتوبر 2026|18 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

يستوقفني كثيراً التناقض الكبير في مجتمعاتنا بين أسرة وأخرى فيما يتعلق بتربية الأولاد والطريقة التي تدار بها بيوتنا. وبتأمل عميق يظهر لي البعد عن الاعتدال، فبعض الأسر في حالة تحكم ورقابة دائمة والبعض الآخر في غاية التيه والانفلات!

وهذان النمطان المتغايران من البيوت خلقا نوعين من أنماط الشخصية السائدة في مجتمعاتنا: أحدهما في غاية الانفلات والفوضى، والأخر في غاية الانضباط والطواعية لدرجة انعدام قدرتها على أن تمارس حياتها دون أن يكون لأحدٍ وصاية دائمة عليها حتى في أتفه أمورها.

إن ممارسة السلطة الأبوية أو الأمية على الأولاد بشكلٍ مفرط بعيد عن المرونة يثمر جيلاً مسلوب الإرادة وغير قادر على الاستقلال وفي حاجة دائمة إلى التبعية.

وعلى الطرف الآخر فإن فلتان السلطة وغياب المنهج الإداري الأسري بالكلية يثمر جيلاً مؤهلاً للجريمة وفي غاية الفوضى يظل في تيه وبحث دائمٍ عن هذه السلطة المفقودة ليكون أداة سهلة القياد تتلقفها إما قوى خيرٍ أو قوى شر، وقد تعمل على تجنيدها لخدمة مآربها التي لا تتصل لا من قريب أو بعيدٍ مع القيم السلوكية السويّة والمستقيمة.

لا شك أن الإدارة الأسرية المعتدلة المبنية على المبادئ السلوكية القويمة مطلب مهم، بل ضرورة ملِحّة وخصوصاً في وقتٍ كهذا. وذلك لأسبابٍ عدة من أهمها أن الوالدين لا تقتصر عليهما مسؤولية التربية فحسب، بل أرغمتهما متطلبات الحياة خارج محيط الأسرة على تحمل مسؤولياتٍ أخرى كبيرةٍ ولا تقل أهميةً عن مسؤولية التربية الأسرية بل تعدتها إلى تحمل مستوياتٍ أخرى على المستوى الاجتماعي، مما جعل كلا الوالدين مرغمين على العمل، وهذا الأمر تحديداً أسهم في أن تدخل أيادٍ كثيرة لتسهم مع الوالدين في تربية الأولاد. فوسائل الإعلام أسهمت بشكلٍ كبير في إعادة تعريف كثير من المفاهيم السلوكية وتدخلت بشكلٍ مبرمج في صياغة شخصية الولد، إضافة إلى وسائل الاتصال والمعلومات والألعاب الإلكترونية والأقران والمدرسة والشارع والمجتمع بأطيافه كافة.

وتعدد الأيادي التي تسهم مع الوالدين في تربية أولادهم جعلهما أمام تحدٍ كبير، بل لنقل رفع من مستوى المسؤولية المترتبة عليهما من الحاجة اللازمة لأن يعملا على وضع أسسٍ ومعايير يبنيان عليها شخصية أولادهما، وذلك بشكل يعمل جوهرياً على رفع مستوى الحصانة لدى الأولاد من التأثر بالأفكار الشاذة والسلوكيات المنحرفة وغير السويّة مع مساحة كبيرة من الحرية والانفتاح، مما يجعلهم قادرين على التعاطي مع مختلف الأيديولوجيات بمرونة كبيرة، مع قدرة على القبول أو الرفض بشجاعة لكل فكرٍ لا يتفق مع قيمهم الذاتية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية