بعد أن تمكن الوافدون من السيطرة الكلية على جميع مفاصل تجارة التجزئة، حتى أصبحت البقالات ومواد البناء بكافة أنواعها ومحال (أبو ريالين) لا تجد فيها السعودة إلا في لوحة البلدية، حيث تجد اسم المواطن بل في كثير من الأحيان اسم مواطنة سعودية وضع اسمها، كالذي اسمه في الحصاد ومنجله مكسور (أي ربما أنها لا تحصل حتى على ريال واحد من استخدام اسمها). فقد يقول قائل: إن المواطن السعودي كسول ولا يحب العمل!، فهذا كُتب عنه الكثير بأنه نوع من الافتراء، بل نحن بحاجة إلى أنظمة تحمي المواطن من الطرد المركزي لقوة العمالة الوافدة.
منذ قرابة عشر سنوات سنّت البلديات نظاماً بأن لا يعمل في محال الخضار إلا السعوديون، ومنع الوافدين منها. كان القرار بعد تطبيقه فسح المجال لكثير من السعوديين للعمل بجدارة، ولكن بعد أن وضعوا كل ما يملكون صدرت المخالفات لذلك النظام، ورجع الوافدون بقوة منظمة، حتى استطاعوا أن يطردوا المواطن من جميع محال الخضار. فقد كانت الخطة الوطنية تهدف إلى أن تكون هذه بداية لسعودة المحال (100 في المائة)، لأنه طالما يسمح للعمالة الوافدة بتملك المحال فإن هدفهم الأول هو إقصاء المواطن من المنافسة حتى إن باعوا بخسارة.
فبعد غياب التخطيط والمتابعة الحكومية أصبحنا في بلد شبه محتل اقتصادياً، كثرت فيه بطالة الشباب وتسبب ذلك في زيادة نسبة السرقات وغيرها من طرق الكسب المحرمة. ولكن هنالك فئة من المواطنين حاولوا التكسب باستخدام سياراتهم، حيث أعرف مواطناً يحصل على دخل يصل إلى أكثر من 200 ريال يومياً بمجرد أنه يشتري خضاراً أو تموراً من مزاد الجملة ويقوم ببيعها على الأرصفة، وسألته: لماذا لا تفتح لك بقالة؟ فقال لي (فيه أحد يقدر يعيش مع البنغال والهنود)؟!
الغريب في الموضوع أنه بدلاً من أن تقوم قوات الأمن والأمانات بتشجيع هؤلاء المتكسبين من أبناء الوطن وتنظيم مواقعهم، نفاجأ بين الفينة والأخرى بظهور حملات ومداهمات لملاحقتهم ومصادرة بضاعتهم، ومن المؤسف جداً أن الصحافة المحلية تفتخر بتلك الخطوة التي يلاحق بها المواطن الشريف، الذي لم يمد يده لأحد، حيث تشاهد في الصور اقتياد رجل الأمن لمواطن شاب، وكتب الصحفي عبارة (أطلق ساقيه للريح) على ذلك المواطن المحارب في وطنه! والأدهى من ذلك والأمر أنهم اتُهموا حسب شكوى وبلاغات بعض المواطنين بتسببهم في مضايقة المارة وتأخير المرور! أين هؤلاء المواطنون من وضع البقالات التي تشاهد فيها أن جميع بضائعهم خارج المحل (مسؤولية البلديات والشرط) في الشمس، ومشبعة بدخان عوادم السيارات؟ وكذلك المطاعم وغيرها، حيث تشاهد زحمة واختناقاً كبيراً بعد صلاة العشاء في غالبية شوارع الرياض! فالسؤال المطروح لأمانة مدينة الرياض: أين أنتم من هؤلاء؟
ومن المضحك والمبكي أيضاً أن مصدراً في تلك الحملة الأمنية صرّح بأن بعض الخضار مجهولة المصدر، حيث يتم شراؤها من بعض العمالة التي تقوم بممارسة إنتاج وزراعة الخضار من (مواقع) تسبب مخاطر صحية للإنسان، وكذلك أن البيع بهذه الطريقة يعرض صحة الناس لمخاطر، جراء عرضهم البضاعة تحت أشعة الشمس وعرضة للتسمم لعدم وجود أجهزة تبريد وتكييف وحفظ لبضاعتهم. الله أكبر! هل البضائع الموجودة في المحال التي يملكها الوافدون ليست من تلك الأصناف إن لم تكن أسوأ؟ المشكلة الكبيرة أن هذه الحملة تقوم بها أمانة مدينة الرياض.
وختاماً كم كنت أتمنى أن تكون صحافتنا أكثر مهنية، لذا فالمفروض أن يقوم ذلك الصحفي الذي رافق تلك الحملة بمقابلة ذلك الشاب الذي اقتاده رجل الأمن، وسؤاله عن أوضاعه، وهل كل هذه الادعاءات صادقة؟! أعتقد أنه سوف يكتشف ذلك الصحفي الكثير والكثير، والأهم من ذلك أن تكون صحافتنا في خدمة الوطن والمواطن.
