الجمعة, 30 أكتوبر 2026|18 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

إن التنسيق الاقتصادي الدولي ضروري بقدر ما هو بعيد المنال. أثناء الأزمة المالية العالمية، أصبحت مجموعة العشرين المحفل الرئيس للاتفاق على المبادئ الأساسية في مجالات مثل الاستجابات السياسية المالية والدور الذي يلعبه صندوق النقد الدولي. ومن خلال التأكيد على ضرورة تجنب تدابير الحماية التجارية وغير ذلك من سياسات الاستفادة الشخصية على حساب الجيران، فإن المجموعة تفرض أيضاً بعض الضغط على الحكومات فيما يتصل بما لا ينبغي لها أن تفعل. وفي هذا السياق فمن الواضح أن مجموعة العشرين كانت متقدمة بوضوح خطوة إلى الأمام.

مع ذلك، وبينما تحاول مجموعة العشرين في الآونة الأخيرة التوفيق بين المصالح الاقتصادية الوطنية المتباينة واستراتيجيات التعافي، فإنها كانت أقل نجاحاً مقارنة باجتماعاتها الأولية في واشنطن ثم في لندن في عام 2009. والواقع أن قمة مجموعة العشرين التي استضافتها مدينة سيئول في أوائل تشرين الثاني (نوفمبر) كشفت عن انقسامات عميقة.

إن اختلال التوازن العالمي، فضلاً عن اختلال العملات، من شأنه أن يحطم التعافي العالمي وأن يدفع العالم إلى مستنقع تدابير الحماية. ولا شك أن أغلبية بلدان العالم ستعاني، ولكن الدول الواقعة في المنتصف ستكون الأشد معاناة. واليوم قد تصبح الأسواق الناشئة في أمريكا اللاتينية أولى ضحايا تبادل إطلاق النيران الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين.

ولنتأمل هنا وضع بلدان مثل كولومبيا وشيلي وبيرو. إن هذه البلدان تواجه مشكلتين خطيرتين. الأولى تتلخص في ذلك الفيض من تدفقات رأس المال قصيرة الأجل القادمة إليها. وإن كانت هناك شكوك في أي وقت مضى فإن أحداث السنوات القليلة الماضية لا بد أن تكون قد عززت درسا مفاده أن رؤوس الأموال الأضخم مما ينبغي، التي تسعى إلى جني عائدات في الأمد القصير من الممكن أن تؤدي إلى تشويه أسعار الصرف وأسعار الأصول، الأمر الذي قد يؤدي بدوره إلى كارثة مالية.

ربما كان بوسع البلدان المتلقية أن تحاول إقامة الحواجز، ولكن تسونامي السيولة هذا يهدد باجتياح هذه الحواجز. والواقع أن خفض قيمة الدولار الذي صممه مجلس الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة يبدو كاقتراح جذاب من المنظور الأمريكي، ولكن الاقتصاد في بلدان أمريكا اللاتينية لا يستطيع ولا ينبغي له أن يتحمل عبء إعادة ضبط الدولار.

ثم يأتي دور الصين .. إن إحجام السلطات الصينية عن السماح لقيمة الرنمينبي (عملة الصين) بالارتفاع يعمل على إبطاء استعادة التوازن العالمي ويعرقل النمو العالمي. والواقع أن صادرات أمريكا اللاتينية كانت من بين أوائل الضحايا. إن تقييم الرنمينبي بأقل من قيمته الحقيقية كان دوماً من الأسباب التي دفعت بلدان أمريكا اللاتينية إلى خفض حصتها في صادرات التصنيع العالمية والتركيز بشكل أكبر على التخصص في المواد الخام.

ونتيجة للانخفاض السابق لأوانه في قطع التصنيع، أصبحت معدلات البطالة مرتفعة في عديد من بلدان أمريكا اللاتينية. لا شك أن عودة أمريكا اللاتينية إلى الاعتماد على السلع الأساسية ترجع إلى أسباب أبعد من سياسات سعر الصرف في الصين. ولكن المصانع في المنطقة تجد صعوبة متزايدة في محاولة البقاء في العمل في ظل ظروف ضعف الطلب العالمي والعملات المحلية القوية.

ولا بد من وضع هذه القضايا على طاولة المفاوضات من قِبَل البلدان الأعضاء في مجموعة العشرين من أمريكا اللاتينية ـــ الأرجنتين، والبرازيل، والمكسيك. ولكن بعض البلدان مثل الأرجنتين والبرازيل تخشى الانتقام الصيني الذي يستهدف صادرات هذه البلدان من السلع الأساسية. على سبيل المثال، تشعر الأرجنتين بالقلق فيما يتصل ببقاء السوق الصينية مفتوحة أمام زيت فول الصويا، بعد إغلاقها في وقت سابق من هذا العام. وأكدت البرازيل بالفعل أنها ليست على خلاف مع الصين، التي أصبحت أخيرا السوق الأضخم على الإطلاق لصادراتها.

وعلى الطرف الآخر من هذا التناقض هناك المكسيك، حيث أصبحت المنافسة مع الصين في غاية الشراسة. فمن منطق الاقتناع وسعياً إلى تحقيق المصالح الوطنية، تقف المكسيك على نحو ثابت في صف واشنطن، وتشير إلى سعر الصرف المتدني لعملة الصين باعتباره السبب وراء الركود الاقتصادي العالمي.

إن عدد سكان كولومبيا وشيلي وبيرو مجتمعة يقرب من 100 مليون نسمة، ويتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لهذه البلدان الثلاثة 600 مليار دولار. والواقع أن سلامة الأنظمة المالية، وقوة الهياكل المالية، وانخفاض الديون العامة، والالتزام الصارم بأهداف التضخم، كل هذا يمنحها قدرا كبيرا من المصداقية. ولتقليص اعتماد هذه البلدان على السلع الأساسية، وقعت على اتفاقيات للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة (لم يوافق الكونجرس الأمريكي لأسباب غير مفهومة على الاتفاقية الثنائية مع كولومبيا).

وعلى هذا فإن هذه البلدان الثلاثة تصبح في وضع فريد يسمح لها بمطالبة مجموعة العشرين بمنع الولايات المتحدة والصين من ملاحقة سياسات الاستفادة على حساب الجيران التي تمثل تهديداً كبيراً لاستقرار الاقتصاد العالمي. والمشكلة هي أن كولومبيا وشيلي وبيرو ليست من البلدان الأعضاء في مجموعة العشرين.

وإذا كانت مجموعة العشرين راغبة في الاضطلاع بدور رئيس في عملية اتخاذ القرار العالمي في مرحلة ما بعد الأزمة، فإن قضية الشرعية فيما يتصل بالبلدان الناشئة الأصغر حجماً لا بد أن تعالج الآن. فإذا لم تكن البلدان ممثلة بالقدر الكافي، فإن التنسيق الاقتصادي الدولي سيعود تلقائياً إلى المؤسسات متعددة الأطراف التي لم يحرز في إطارها إلا أقل القليل من التقدم في السنوات التي سبقت الأزمة.

ونحن نقترح تغيير الوضع الراهن من خلال السماح لهذه البلدان بشغل مقاعد بالتناوب على طاولة مجموعة العشرين. فهي قادرة على المساعدة في توجيه العالم نحو التعافي المنسق، فضلاً عن إنقاذ عديد من البلدان الناشئة من التحول إلى ضحايا بريئة في حروب يخوضها آخرون.

خاص بـ ''الاقتصادية''

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية