في اجتماع قمة أممي رعته الأمم المتحدة، وعقد بمقرها في مدينة نيويورك، عام 1990، تبنت الأسرة الدولية ما عرف بـ "أهداف التنمية الألفية". وقد اعتبرت تلك الأهداف تعبيرا عن التطلعات الأساسية للناس في حياة أفضل، من خلال الالتزام بتطبيق أهداف محددة، بأرقام وأطر زمنية واضحة، يجري إنجازها خلال ربع قرن، تبدأ مع عام 1990، وتنتهي عام 2015. والغاية هي خفض نسب الفقر والجوع إلى النصف، وتطبيق التعليم الابتدائي على مستوى شامل، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وخفض مستوى الوفيات بين الأطفال دون السنوات الخمس إلى الثلثين، وتقليص معدل الوفيات بين الأمهات بنسبة ثلاثة أرباع، ومكافحة فيروس نقص المناعة المكتسب (الإيدز) والملاريا والسل وضمان الاستدامة البيئية، وبناء شراكة عالمية للتنمية.
لقد أشار البيان الصادر عن القمة، لثمانية أهداف، حدد لكل هدف غايات ومؤشرات. لكن المشكلة أن ذلك أعطى طابعا تعميميا شمل جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، دون مراعاة للمراحل التي قطعتها الدول المتقدمة، أو تلك التي لم تبدأ بعد رحلة السير نحو التطور والنماء. فعلى سبيل المثال، ذكر أن الهدف الأول للتنمية هو القضاء على الفقر والجوع الشديدين. والغاية هي تخفيض نسبة عدد الأشخاص الذين لا يتجاوز دخلهم دولارا واحدا يوميا إلى النصف بين عامي 1990 و 2015. إن مؤشرات تحقيق هذا الهدف، كما يبدو، ليست له علاقة ألبتة بالمملكة وبلدان الخليج، ولا ينطبق على واقعنا بأي شكل من الأشكال. فنسبة دخل دولار واحد للفرد في هذه البلدان، إذا أخذنا القدرة الشرائية، ونسبة التضخم، ومتطلبات الحياة اليومية، تعني ما هو أسفل قاع حد الفقر. ومن هنا فإن تحقق هذه النسبة لا يعني إطلاقا القضاء على الجوع والفقر. ومن هنا فإنه مع التسليم بأهمية تلك الأهداف، فإن الغايات والمؤشرات التي طرحت لا تستجيب للغاية منها، عندما يتعلق الأمر بواقع المملكة وبلدان الخليج العربي.
مثل هذا القول ينسحب أيضا على الهدف الثاني الذي تبناه مؤتمر القمة العالمي، والمتعلق بتعميم التعليم الابتدائي الشامل. فهذا الهدف لا ينبغي الحديث عن تحقيقه في بلدان مضى على مسيرة التعليم بها أكثر من 70 عاما، منذ بدأت في تصدير النفط بكميات تجارية ضخمة. إن ثورة الاتصالات والكمبيوتر تجعل من التعليم الابتدائي بشكله التقليدي القديم، وجها آخر من أوجه الأمية. وفي السنوات الأخيرة، لم تعد قضية محو الأمية مرتبطة بالقراءة والكتابة فحسب، دون إجادة للتعامل مع الحاسب الآلي وواحدة على الأقل من اللغات الحية، إضافة إلى اللغة الأم. لابد إذنا عند الحديث عن مكافحة الأمية، في بلدان كالسعودية والخليح أن يصار إلى مناقشة نوعية التأهيل والبرامج والمواد التي ينبغي تضمينها في المرحلة الابتدائية، بما يتماشى مع روح العصر وقوانين التطور. إن ذلك يقتضي أن تعالج البرامج التربوية قضايا ملحة، تهدف إلى التخلص من سيادة نمط التقاليد الاجتماعية المعوقة لعملية النهضة والتطور، والمعطلة لروح المبادرة والإبداع.
ومثل ذلك أيضا ينطبق على مشاركة المرأة في الحياة السياسية بالبلدان العربية. إن الكلام عن كوتا، أو نسبة لتمثيل المرأة في صناعة القرار السياسي العربي، يفترض مقدما وجود مؤسسات تشريعية حقيقية. وهو أمر للأسف غير موجود في الغالب، وإن توافر في بعض البلدان، فلأغراض ديكورية واحتفائية تفتقر إلى المصداقية، ومهمتها في الغالب هي التصديق والموافقة على المراسيم والقرارات التي تصدرها الهيئات الحكومية. وليس من جدال، في أن مشاركة المجتمع في صناعة نهضته يقتضي مشاركة في الحياة السياسية، وإسهاما حقيقيا في صناعة القرار، بما في ذلك صياغة التشريعات ومراقبة تحقيقها، ومحاسبة الجهات التنفيذية والتأكد من حسن أدائها لعملها.
إن الحديث عن مشاركة المرأة الذي أشار له بيان الأهداف الألفية، ينبغي أن ينطلق من مقدمات جوهرية، أهمها معالجة الخلل في توازن القوة الاقتصادية الذي ينتج عنه بالتأكيد خلل في الحقوق السياسية. إن ذلك يقتضي إعادة تشكيل الهياكل الاجتماعية، بما يضمن انبثاق قوى حية جديدة قادرة على التنافس، ومن خلال التلازم بين فكرة العدل الاجتماعي والمساواة.
لم يأخذ البيان الأممي للتنمية في الاعتبار، خصوصية البلدان الموجه إليها. ولذلك جاء ركيكا وفضفاضا وضبابيا، رغم محاولات الإيحاء بفرادته، وعمقه ووضوحه. لقد بقيت مصادر تمويل مشاريعه مجهولة ومعومة. إنه لم يتحدث مثلا، عن مصادر تمويل هذه الأهداف، وترك الأمر معلقا.
وعندما تحدث عن الشراكة الدولية، لمواجهة معوقات التنمية، تناسى أن العلاقات بين الدول الغنية والفقيرة ليست تكاملية، بل علاقات صراع، تقوم على الهيمنة والقهر، ويحكمها قانون التطور اللامتكافئ. والحديث عن مساعدات تقدمها الدول الصناعية للدول الفقيرة كان دائما، ولا يزال مصدر ابتزاز يمارسه القوي بحق الضعيف. وقد رأينا بأم أعيننا النتائج التي تؤول لها القروض التي يقدمها بنك التنمية الدولي للبلدان المتخلفة. فهذه القروض غالبا ما توجه نحو غايات ليست لها علاقة بالتنمية، مسهمة في تعميق حالة الفساد. وحين يأتي أوان السداد، لا يكون بإمكان الحكومات المستدينة دفع مستحقات البنك. فيلجأ البنك لصياغة برامج تقشف، تشمل رفع أسعار الكهرباء والبنزين والطحين والملح والسكر، ويكون ضحاياه المعدمون من الناس، ليضاف إلى ثقل معاناتهم أثقالاً تنوء بحملها الجبال، فتكون النتيجة تمرد وانتفاضات وغياب للأمن والاستقرار.
لابد إذا، عند الحديث عن تنمية حقيقية، أن ننتقل من العام إلى الخاص، وأن نتعامل مع بلدان الخليج، في عصر التكتلات الكبرى، كوحدة إقليمية، هي بدورها جزء من منظور إقليمي أوسع، يشمل البلدان العربية. إن ذلك وحده هو السبيل للانتقال من الاقتصاد الريعي، والطبيعة المربكة وغير الواضحة لمؤشرات الاقتصاد المستقبلية الناتجة عن أحادية مصدر الدخل المتمثل في النفط، إلى عالم تتعدد فيه مصادر الدخل. وبالقدر الذي يجري الاهتمام فيه بالقطاعات الخدمية والسياحية فإنه ينبغي التركيز على عمليات التصنيع، وخلق القوى الذاتية المحركة، وتشجيع القطاع الخاص على الولوج في عملية الإنتاج، من منظور متصور وتخطيط شاملين، وخلق الحوافز اللازمة لذلك.
إن هذا العصر ليس فيه مكان للضعفاء، وهو عصر الأبعاد الكبيرة والكتل الضخمة. ولذلك فلن يكون لنا أي مكان، ما لم نمتلك مشروعا تنمويا، يستند إلى قواعد مادية متينة، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال تكامل اقتصادي عربي، كمقدمة لتحقيق الوحدة الاقتصادية. وهكذا تبقى مسألة بعث الروح للعمل العربي المشترك، والتضامن العربي قضية كينونة، قضية "أن نكون أو لا نكون".
