السبت, 31 أكتوبر 2026|19 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

إن من طرق تحفيز التفكير المعروفة أن تبدأ بطرح سؤال فلسفي على غرار: من الذي أتى إلى الحياة أولاً، هل هي البيضة أم الدجاجة؟!

إن تحمل المسؤولية الفردية بشكلٍ ناضج هو الخطوة الأولى والركيزة الأساسية التي يعتمد عليها بناء المجتمعات المتحضرة، وفي غيابها تغيب كل القيم الحضارية لسببٍ بسيط جداً وهو أن الفرد يشكل مع غيره من الأفراد مجتمعاً كبيراً. فإذا كان الفرد في ذاته على قدرٍ كافٍ من الاستعداد الحضاري كانت استجابة المجتمع قوية ومتماسكة لما ينتج عنها من تغيير حضاري دائم. وهذا المبدأ السلوكي تحديداً تبناه كثير من المجتمعات المتحضرة، بداية باليابان ومروراً بالولايات المتحدة وانتهاء بماليزيا.

إن هذا المبدأ مبنيٌ على أن يقوم كل فردٍ بخطوة صغيرة واحدة من أجل حدوث تغيير إيجابيٍ ودائم، يطلق على هذا المبدأ: ''طريقة الكايزن''، وقد نشأ في اليابان وتبناه كثير من المجتمعات الحضارية الأخرى لما تحقق من جراء تطبيقه من نتائج كبيرة ودائمة. والسر في هذا المبدأ هو أن يقوم كل فردٍ بخطوة واحدة صغيرة، بل أحياناً تافهة يمكنه القيام بها بسهولة، والنتيجة: مذهلة، لكونها دائمة وثابتة.

إننا في كثيرٍ من الأحيان نستصغر الدور الذي يمكننا القيام به لنقل مجتمعاتنا من التخلف إلى الحضارة! مما يجعلنا نتكاسل ونفعل ''لا شيء'' فحسب! إن كون الواحد منا يفعل ''لا شيء!'' يجعلنا متخمين بالاتكالية لننتظر أحداً أن يفعل لنا ''شيئاً ما!''. يجب على كل فردٍ منا أن يعلم أن شخصاً ما في كل مجتمعٍ متحضر قام بتعليق الجرس، وقام بواجبه الذاتي انطلاقاً من محبته الصادقة لوطنه وأمته.

عَوداً على بدء، على غرار السؤال الذي مؤداه من أتى إلى الحياة أولاً، البيضة أم الدجاجة؟! فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل نريد وطناً نعيش فيه؟ أم كما قال الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش: وطناً يعيش فينا؟!

إن تحمل المسؤولية الفردية يجعلك بالتأكيد تحمل هذا الوطن بين أضلعك أينما ذهبت بالتزامك قيماً ذاتية، ترفعك إلى مستويات عالية من الرضى، بمبادرة شخصية منك، بعيدة عن أي وصاية عليك من أحد!

فعند خلوتك مع ذاتك، أعد ترتيب قيمك واستشرف الصورة التي تريدها لنفسك، وقم بإعادة صياغة ما لا تريده فيك إلى ما يجب أن تكونه. لنفترض أن كل فردٍ فينا قد سلك هذا المسلك، فلك أن تتخيل إلى أي نتيجة سنصل؟!

على كل إنسان أن ينصب نفسه سفير نوايا حسنةٍ للعالم كله بحمله مسؤولية نفسه أينما حل أو ارتحل بإحياء الرقابة الذاتية الدائمة على نفسه حتى يكون السلوك الحضاري القويم جبلةً وطبعاً يغلبه على مخالفته.. والنتيجة ستكون بكل تأكيد مجتمعاً ووطناً يعيش فينا لا وطناً نعيش فيه.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية