أجمل ما يمكن أن يلاحظه المرء في مسيرة التنمية الوطنية في المملكة، التي يقودها خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده الأمين، والنائب الثاني .. هو ذلك التساوق المرن في مسارات التنمية كافة .. فإذا كانت المملكة قد حققت كثيرا من المنجزات على المستوى الاقتصادي والتعليمي والتنمية البشرية وغيرها.. فإن الثقافة هي الأخرى قد أخذت نصيبها من الاهتمام والعناية بوصفها إحدى أهم أذرع التنمية، وحصول معرض الرياض الدولي للكتاب على المرتبة الثانية عربيا بعد معرض القاهرة الدولي، مؤشر مهم جدا للمسافة التي قطعتها المملكة في سبيل نشر الثقافة، وتشجيع سوق الكتاب لدعم الوعي العام، ورفع مستوى الفكر الاجتماعي إلى الدرجة التي تليق بمجتمع طموح في ميدان سباق المعرفة.
ولعل المتابع لمعارض الكتاب التي أقيمت على مدى الأعوام السابقة في المملكة وحجم الإقبال المتزايد عليها يستطيع أن يلاحظ بوضوح تلك النقلة التي حققها معرض الرياض الدولي للكتاب خلال الأعوام الأخيرة ليس في حجم المبيعات ولا في عدد دور النشر المشاركة وحسب، وإنما حتى في الرؤية الاستراتيجية لهذا النوع من المعارض وما يقام على هامشها من الفعاليات الثقافية التي تحاكي احتياجات كامل الطيف الثقافي بمختلف مشاربه، وهذه الرؤية التي تبنتها حكومة خادم الحرمين الشريفين إزاء الكتاب لم تنشأ من فراغ أو لمجرد فتح سوق جديدة، وإنما جاءت انطلاقا من مفهوم (اقرأ) الذي شكل المدخل الرئيس للحضارة الإسلامية حينما كانت هذه المفردة هي أول ما نزل من القرآن الكريم، لذلك جاء الاهتمام موازيا لهذا التوجيه الرباني ليؤسس من خلال العقل الثاني الذي تشكله القراءة الحرة والواعية لجذور الحضارة التي غادرت مواقعها منذ أن انصرف الناس عن القراءة وزيادة مدركات التعلم، وهو الأمر الذي قوبل بكثير من التقدير من جميع شرائح المجتمع من رجال ونساء، التي وجدت في أروقة معرض الكتاب ما يسد جزءا رئيسا من احتياجاتها الثقافية، وقد استطاعت وزارة الثقافة والإعلام أن تسخر جميع الجهود لإعطاء هذه الفعالية الزخم الذي تستحقه، لتصبح بالنتيجة حدثا ثقافيا سنويا يضعه المثقفون في أولوية روزناماتهم.
الدكتور عبد الله الجاسر وكيل وزارة الثقافة والإعلام والمشرف العام على المعرض، الذي أشار إلى حصول المملكة على هذا الترتيب العربي المتقدم في معرض الكتب، أشار في تصريحه الصحافي أيضا إلى استعدادات الوزارة هذا العام لإحداث نقلة نوعية في المعرض تتمثل في حزمة من النشاطات الثقافية المرادفة التي تحتوي على كثير من الورش الفنية والمناشط الثقافية التي تهم الأسرة والطفل، إلى جانب الاستمرار في استضافة الثقافات الأخرى، كما هو الحال كل عام .. حيث ستكون الهند هي ضيف الشرف الثقافي لهذا العام، كما بيّن أن هذه الاعتبارية التي تحققت للمعرض ما كانت لتتم لولا الرعاية الملكية الكريمة التي وفرت للمعرض المناخ الملائم الذي دفع به خلال فترة قصيرة إلى هذه المرتبة المتقدمة.
وكان من الطبيعي في ظل هذه الرعاية أن يحقق المعرض هذا الإنجاز.. لأنه انطلق من رؤية ناضجة بدأت أول ما بدأت بتصعيد دور الثقافة، حينما تم تقديمها على الإعلام في اسم وزارة الثقافة والإعلام، واستحضارها كمسؤولية وطنية كبرى إلى طاولة مجلس الوزراء .. مما يشير إلى وعي القيادة بأهمية الدور الثقافي في بناء النهضة الحديثة، وتفعيل الوعي الاجتماعي للمساهمة في عمليات الإنماء بمختلف ألوانه وأشكاله، وتفاعل المواطنين مع هذه التظاهرة الثقافية الكبرى بشكل غير مسبوق .. وهذا ما يفسر حجم الإقبال من قبل الناشرين على هذا المعرض، حيث لم تعد قاعاته حتى بعد انتقاله إلى مقره الجديد كافية لاستقبال كل العارضين، حيث سجلت الرياض اسمها كحاضن رئيس للثقافة المستدامة، وعاصمة ثقافية بالغة الأهمية إلى جانب كونها واحدة من بين أكثر عواصم العالم نموا على مختلف الأصعدة.
