كانت تلك رحلة. فرئاسة كازاخستان لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا توشك على الانتهاء، حيث يدرس الخبراء نتائج القمة الأخيرة للمنظمة التي جمعت رؤساء الدول والحكومات في مدينة أستانا في أوائل كانون الأول (ديسمبر).
والتجمع الدولي الذي أصبح هاجسا حقيقيا للدبلوماسية الكازاخستانية بعد اقتراح الرئيس نزار باييف بترك أثر لا يمحى في سجل إنجازات المنظمة وفر فرصة فريدة لنقاش السياسة العليا بوجود الكاميرات الموجهة نحو منطقة واحدة على الخارطة، عاصمة كازاخستان - أستانا.
وعلى الرغم من الأجندة المزدحمة ومستويات التمثيل المذهلة، إلا أن القمة لم تسفر عن أي تطورات ولم تنشط المنظمة التي ظلت راكدة لسنوات وراء ستارة شبه شفافة من النشاط الدبلوماسي السري. ومن السذاجة الاعتقاد أن الكازاخستانيين لم يدركوا مدى تعقيد المهمة منذ البداية، حين أخذ وزير الخارجية سودابايف الراية من اليونان.
وفي مجتمع مكوّن من 56 دولة من مختلف الخلفيات التاريخية والسياسية، التي تتفق إلى حد ما على المبادئ الرئيسة، لن يكون من الممكن الاتفاق على أي شيء. وكما أظهرت التجربة العملية في أستانا، من المستحيل تماما الاتفاق على أي شيء، حين يكون الأعضاء الأساسيون في هذا المجتمع، المخضرمون في مجال الدبلوماسية واقتصاد السوق، منشغلين بمشاكلهم الداخلية، وحين يكون الأعضاء الجدد الذين لا يزالون ضعفاء نسبيا لديهم اختلافات كثيرة يجب التغلب عليها.
إن النزاعات المزمنة في نظام ما بعد الحرب الباردة تشبه بطريقة ما المعضلة الإسرائيلية الفلسطينية، من حيث إنها تجتذب اهتمام مختلف الشركاء ويتم مناقشتها باستفاضة في عدد من العواصم، لكنها لا تزال دون حل وفرصة التخفيف من حدتها قريبا ضئيلة. وعلى الرغم من تعهدات الرئيسين الأرمني والأذربيجاني بنبذ العنف بشأن مسألة ناجورنو - كاراباخ، إلا أنه من غير المرجح أن يشارك كلا البلدين في محادثات جوهرية لحل هذه العقدة المستعصية.
ويبدو الوضع حتى أكثر تعقيدا في حالة جورجيا التي حرمت من محافظتيها، أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، نتيجة للحرب القصيرة مع روسيا في صيف عام 2008. ولإدراكه بتغيير المسار من جانب إدارة أوباما نحو المواجهة بين جورجيا وروسيا، اتخذ الرئيس الجورجي، ميخائيل ساكاشفيلي، أخيرا خطوات تصالحية، حيث تعهد بالامتناع عن استخدام القوة العسكرية لتسوية النزاعات المتعلقة بالسيادة الجورجية. إلا أن لهجة تصريحات ديمتري ميدفيديف التي أدلى بها في قمة أستانا لم تتغير تماما كما حدث في أعقاب النزاع مع تبليسي. وأشار الرئيس الروسي، متحدثا عن ضرورة العمل معا لإيجاد مؤسسات عملية لمنع نشوب النزاعات تحت رعاية منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، إلى الحرب بين جورجيا وروسيا عام 2008 كمثال على ما يجب تجنبه في المستقبل، متمسكا بالتالي بالرواية الرسمية للعدوان من قبل جورجيا التي تروج لها روسيا.
وتم شن جولة أخرى من التصريحات المريرة من قبل زعيم بيلاروس، ألكسندر لوكاشينكو. وكثيرا ما يتم انتقاد لوكاشينكو، الذي يشتهر عنه أسلوبه الديكتاتوري في الحكم وازدراءه التام لحقوق الإنسان والحريات، من قبل الحكومات الغربية وهو يسارع دائما إلى الرد بهجمات حادة تهدف إلى تعريف الأخيار من هو الرئيس في مينسك. واشتكى لوكاشينكو من عدم وجود معايير عالمية للانتخابات محمية من قبل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، مخفيا بالتالي جزئيا حقيقة الانتخابات السابقة في دولته. وبما أن القمة كانت اجتماعا عالي المستوى ووقتا محدودا للخطابات، لم يكن هناك خطر أن تلقى تعليقاته أي استجابة من دعاة النهج الغربي للديمقراطية وحقوق الإنسان.
وكما بدا واضحا منذ البداية، كان كل مشارك مستعدا للتعبير عن رأيه دفاعا عن المواقف السابقة دون البحث عن طريقة لإحداث تغيير بطريقة منسقة وديمقراطية. ولم يؤد حضور وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، الذي أشادت به السلطات الكازاخستانية باعتباره دليلا على اعتراف الأمم المتحدة بدور كازاخستان المتنامي في الشؤون الإقليمية وفوق الإقليمية، إلى تحسين الأجواء في المكان، حيث كانت تصريحات كلينتون تتعلق أساسا بالقضية المهمة في نظر إدارة أوباما، أي الوضع في أفغانستان.
ومن الواضح تماما أن وزارة الخارجية ووزارة الدفاع الأمريكيتين ليست لديهما أوهام بشأن قدرات منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لإحداث الاستقرار في أفغانستان. وهكذا، يمكن تفسير زيارة كلينتون إلى أستانا باعتبارها بادرة مجاملة لكازاخستان ورئيسها. وعلى أي حال، لم تضيع وزيرة الخارجية وقتها في آسيا الوسطى، حيث تستعد للقيام برحلتين إلى قيرغيزستان وأوزبكستان. وتستضيف قيرغيزستان مركز العبور في ماناس الذي يسهم مباشرة في دعم القوات المسلحة الأمريكية في أفغانستان، أما أوزبكستان فقد كانت تستضيف في السابق قاعدة جوية أمريكية، لكنها لا تزال تفضل لعب ألعاب خطيرة، أي بالتعاون والاتفاق لفترات قصيرة مثمرة ثم انقطاع العلاقات المفاجئ غير المعلن.
إن إعلان أستانا المؤلف من أربع صفحات الذي اعتمد في نهاية القمة بلغة أنيقة ومصاغة بشكل مبهم هو دليل مادي على شكوك منظمة التعاون والأمن في أوروبا بشأن وجودها نفسه بعد كل اجتماع كبير. ويلزم الإعلان الأطراف المشاركة بالامتثال لميثاق الأمم المتحدة، والوثيقة الختامية لهلنسكي لعام 1975، وميثاق باريس عام 1990، وعدد من الصكوك متعددة الأطراف التي تم الاتفاق عليها في القمة السابقة دون تحديد طريق حل مشكلة جورجيا - روسيا أو الموعد النهائي لحل مشكلة ترانسنيستريا.
وما يتضح من القمة الكبيرة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، أن كازاخستان تلقت تغطية واسعة في وسائل الإعلام الأجنبية. وبالنسبة لدولة يتم أحيانا الخلط بينها وبين دول أخرى تنتهي بالأحرف ''ستان'' نفسها، يعتبر هذا نجاحا كبيرا إلى حد ما.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: OpinionAsia
