اعترفت البرازيل والأرجنتين والباراجواي بالدولة الفسطينية على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، فيما الدول العربية تطالب مجلس الأمن بوقف الاستيطان، والفلسطينيون أنفسهم لم يدفعوا بقضية الاعتراف بدولتهم للأمم المتحدة.
هذه المفارقات في التعاطي السياسي مع قضية العرب المصيرية، أغضبت الكيان الصهيوني وجن جنون حكومته على هذه الدول الأمريكية اللاتينية التي تجرّأت على ارتكاب محذور لم تتوقعه منها، مثلما جن جنون الولايات المتحدة من سعي الاتحاد الأوروبي للدخول على خط معالجة القضية الفلسطينية على نحو صريح، يطالب بحل يُفضي إلى إعلان دولتين مستقلتين، واحدة للفلسطينيين على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، وأخرى لإسرائيل، فأرسلت الولايات المتحدة مبعوثها للشرق الأوسط جورج ميتشل لقطع الطريق على محاولة الاتحاد الأوروبي لعب دور حيوي في عملية السلام بنهج لا تقره ويرفضه كل من أمريكا وإسرائيل جملة وتفصيلا، ومع أن جورج ميتشل حاول اللعب على مفاصل الكلمات من خلال الحديث عن وقف الاستيطان ومشكلة اللاجئين والقدس كنوع من شراء الوقت وإزاحة الدور الأوروبي وتبديد مسعاه المستجد، إلا أن كل ذلك لم يعد بإمكانه إعادة التاريخ إلى الخلف ولا كبح التوجه الدولي في تجاوز الانحياز المطلق من قبل أمريكا للدولة الصهيونية، وبأن الأفق المستقبلي ليس أمريكياً وإسرائيلي الهوى، فقد تغيّرت المعادلات الدولية بحكم ضغط الواقع الفلسطيني على الأرض والقناعة العالمية بعدالة قضيته وبحكم تضعضع القوة الأمريكية والضربات المثخنة التي يتلقاها عساكرها في العراق وأفغانستان وباكستان، وفي عجزها عن تجاوز أزماتها الداخلية في الاقتصاد والبيئة والبيت السياسي الداخلي.
غير أن المطالبة بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران (يونيو) ورياحه المواتية عربياً وعالمياً تستدعي موقفاً فلسطينياً موحداً واضحاً صارماً، عالي الصوت وهو ما لم تتوافر له دعائمه الفعلية بعد، فما زال الفصام الخطر يضرب الجسد الفلسطيني أفقياً وعمودياً بين السلطة في الضفة و''حماس'' في غزة وبينهما من الحزازات التي يدفع بها عدد من الفصائل الفلسطينية الأخرى على الجانبين، وكذلك مواقف سياسيين ومفكرين مستقلين في الخارج الفلسطيني، ما يعني أن الجهد للتعبئة فيما يخص المطالبة بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران (يونيو)، ما زال مبعثراً ومشتتاً تستغله إسرائيل، وكذلك أمريكا، كموجهات مضادة لمشروع الدولة الفلسطينية وأوراق تلعب بها دبلوماسياً لاستنزاف الوقت وعرقلة مسيرة التاريخ لكيلا يلد ما هو بالنسبة لهما من المحرمات.
وما هو مطلوب اليوم، أن يعمد العرب إلى بلورة ورقة عمل تصطلح عليها الفصائل الفلسطينية وتعمل عليها الجامعة العربية، وننطلق منها وفق برنامج عربي موحد، تتكاتف الدول العربية في الضغط الدبلوماسي لتحقيقه من خلال الأمم المتحدة بخرائط طريق واحد تصب كلها في صالح إقناع العالم وحشد الصوت الدولي لتأييد مطلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وأن يكون الموقف الفلسطيني في مقدمة المطالبين بذلك من خلال عضويتهم في الجامعة العربية ومن خلال عضوياتهم الأخرى في جميع الهيئات والمنظمات والمحافل الدولية، خصوصاً في العالم الإسلامي والمنظومة الصديقة للعرب.
إنه موقفٌ لا بد من إنجازه للانطلاق إلى تحقيق الهدف السامي في استعادة الحق الفلسطيني الذي أقرّه العالم في الأمم المتحدة منذ 43 عاماً، وبات من المسلمات التي لا نقاش حولها في العرف الدولي مهما حاولت إسرائيل ومعها أمريكا أن تبدّدا هذا الإجماع الأممي وتغيباه بالقفز عليه بمبادرات سلام شكلية ومشاريع إنفاقات هشة ملغومة بالخديعة والافتراء.
إن إقدام العرب، وفي مقدمتهم الفلسطينيون على الانخراط في حملة مكثفة متواصلة من أجل حفز العالم على التصويت لصالح الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967 في الأمم المتحدة، يعني إسقاط كل المبادرات الهلامية الأمريكية والإمساك بزمام صناعة التاريخ الذي لا يستجيب إلا لمن يكون فاعلاً فيه وليس خارجه، كما هو الحال الفلسطيني اليوم .. وحتماً حين يكون الزمام بيد العرب ستحدث معجزة ولادة الدولة الفلسطينية بزخم التأييد العالمي شيئاً فشيئاً .. وربما على نحو مثير!!
