كيف نتعامل مع القضايا الخلافية في المصرفية الإسلامية

|
المصرفية الإسلامية فيها الكثير من الخلافات الفقهية أو الفكرية التي بلا شك لها تأثير في مسيرة المصرفية الإسلامية، ومع إدراكنا أن الخلاف رحمة إلا أنه يجب أن تكون هناك اعتبارات وجوانب مهمة يجب التركيز عليها والأخذ بها في تعاملنا ونظرتنا للخلافات في المصرفية الإسلامية، ويمكن لنا تلخيصها في ثلاث نقاط رئيسة: الأولى: هي احترام التخصص، فالذي يتخصص في مجال معين في المصرفية الإسلامية، ويقلب مسائله في فترة طويلة من الزمن، ويتعرض لتجارب كثيرة ودقيقة يجب أن يحترم رأيه وتوجهه حتى لو رأيناه للوهلة الأولى غير منطقي، أخذا بالحكمة القائلة "إن تاريخ العلم هو تاريخ أخطاء المتخصصين". والنقطة الثانية: هي عدم التعصب للرأي، واعتبار أن ما يتوصل إليه الإنسان من علم مهما بلغ ما هو إلا اجتهاد بشري، كيف لا والإمام مالك بشأنه الكبير رفض أن يلزم الناس باتباع مذهبه مع قناعة الناس أنه لا يفتى في المدينة وابن مالك فيها. والنقطة الثالثة: وهي الخروج عن الترف الفكري الذي كثيرا ما نراه في كتابات الاقتصاد الإسلامي والصناعة المالية الإسلامية، لأن هناك واقعا ومجتمعا يمارس نشاطه المالي والاقتصادي كل يوم ويحتاج إلى حلول واقعية وملموسة ليس إلى نظريات ينتهي مفعولها إذا اصطدمت بالواقع. ولعل الجهود التي تبذل في الصناعة المالية الإسلامية لتوحيد الآراء لضمان أفضل الممارسات، فنحن نرى المعايير الشرعية والمحاسبية التي تصدرها هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية في البحرين ومعايير المخاطر والاحتراز التي يصدرها مجلس الخدمات المالية الإسلامية في ماليزيا، كل ذلك ثمرة الإدارة الجيدة للخلافات في المصرفية الإسلامية. وهناك جهود أخرى كذلك صادرة من جهات أخرى بهذا الصدد، مثل المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية في مجال التدريب والمعلومات، وكذلك مجمع الفقه الإسلامي في مجال إصدار القرارات الشرعية المهمة. إن الخطير في موضوع التعامل مع الخلافات في المصرفية الإسلامية من يرفض الفكرة أصلا، ويعتبر أن الخلاف مهما كان نوعه وشكله فهو مطلوب، ولكن هذا التوجه يغفل تماماً الواقع الذي يحتاج إلى حلول واقعية يتعامل معها الناس في حياتهم اليومية. ولا ننسى كذلك أن العالم اليوم يتعامل مع مفاهيم المعايير والحوكمة والتنسيق، وكل ذلك اعتراف ضمني بأهمية الإجماع والحسم في القضايا، ولولا أهميته لما كان المصدر الثالث للتشريع في الإسلام بعد القرآن الكريم والسنة المطهرة. إن هذا الميزان الثلاثي للتعامل مع القضايا الخلافية المصرفية الإسلامية يجعل الخلاف غير الصحي في أدنى مستوى، ويجنبنا الكثير من التخبط اللامسؤول والشوائب العلمية التي لا تسمن ولا تغني من جوع. ونحن بلا شك في حاجة إلى تراكم معرفي سليم يضمن تقدم وازدهار المصرفية الإسلامية.
إنشرها