إذا كان المثل يقول ''رُبَّ ضارةٍ نافعةٌ''، فإن تقنية المعلومات بثورتها الاتصالية على النطاق الكوني قلبت هذا المثل إلى: ''رُبَّ نافعةٍ ضارةٌ''؛ فعلى الرغم من أن ثورة تقنية المعلومات بحواسيبها وبرامجها وفضائها الافتراضي (الإنترنت) منحت البشرية إمكانات هائلة في وفرة المعلومات وفي السرعة الخاطفة للتواصل لإنجاز الأعمال أو لعقد الصفقات أو لتدبير الخدمات على نطاق الشخص أو المؤسسة أو الدولة، إلا أن هذا الإنجاز التقني حمل معه أيضا مخاطر جمّة لم تكن لتخطر على البال.
فقد أتاحت تقنية المعلومات للشرور وسائل أيسر وأسرع وأقدر على التأثير والحشد مما كان قبل، بعد تحولها إلى جهاز يستجيب لصاحبه بكبسة على مفاتيحه، فإذا هو يمرر أو يستقبل ما يشاء وما لا يشاء؛ فقد بات طوفان المعلومات بجميع أشكالها وحمولاتها من الكلمات والأرقام والصور والرسوم والأصوات والألوان لا حدود لتدافعه من كل زاوية من زوايا الكون، يجد طريقة للنفاذ، عابراً الرقابات والحواجز والدفاعات والإلكترونية في كل مرة يتم فيها كبح اندفاعه ومنع مروره.
وحين تكون الحمولة المشحونة على فضاء الشبكة العنكوبتية أو على الأقراص وغيرها من الوسائط مواد تستهدف إثارة الغرائز ونشر الإباحية والتهتك الأخلاقي، أو تحقن الأذهان بنزعات التمرُّس في جرائم المعلومات أو العنف والعدوانية وشرور التعصب والكراهية وجرف المتلقي للسقوط في حبائل الإرهاب.. حين يكون الأمر كذلك (وهو مع كل الأسف كذلك) لا تصبح تقنية المعلومات سوى بوابات للجحيم ومسالك للكارثة بكل مستوياتها وألوانها.. ذلك لأن انقياد النشء والمراهقين للمثير وما له صفة الغرائبية والعجيب، فضلا عمّا يمنحهم الوهم بفعل الخارق من الأعمال والمتحدي لعالم الكبار وتجاوز الممنوعات والمحاذير والأنظمة يمتلك جاذبية إبليسية تغرر ببعضهم ممن يقعون تحت ضغط إغراءاتها ويتنافسون في أيهم أقدر علماً في التمكن منها والامتلاك لها.. خصوصا حين يكون هؤلاء المراهقون أو الصغار يعانون تضعضعا نفسيا في محيطهم الأسري أو الاجتماعي، أو حين يكون الأهل بمنأى عنهم من باب الإفراط في الثقة بهم وبجلسائهم.
ولقد أقضت هذه الوضعية الكالحة لتقنية المعلومات الدول والمؤسسات الأممية والجمعيات والمنتديات، وسعت إلى إيجاد وسائط صد كي تحول بها عن تدمير ثرواتها البشرية، وكما سعت ـــ في الوقت نفسه ـــ إلى توجيه أطفال مدارسها إلى كيفية استثمار هذه التقنيات إيجابيا وتوعيتهم وإرشادهم لما يكتنفها من مخاطر وأضرار مهلكة، وعلى أن تكون الحصانة نابعة من ذوات الطلاب وليست فرضا ووعظا فوقيا لا يصمد أثره، بل قد يحدث عنه رد فعل معاكس.
وحين يناقش مجلس الشورى هذه الإشكالية قبل أيام ويوصي بإنشاء جهاز مركزي لتقنين المحتوى الأخلاقي لتقنية المعلومات، حيث تنشأ وحدات في الجهات المعنية، وهي: وزارة الداخلية وزارة الثقافة والإعلام، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يتم وضع استراتيجية تحدد إطار الخطة وأهدافها والآليات والإجراءات التي تؤدي إلى إنجاز مهمة محاربة جرائم المعلومات وضبطها بما فيها من جرائم الإباحية وغيرها.. نقول حين يناقش مجلس الشورى ذلك فلا شك أنه قد استشعر ما قد استشعرته دول أخرى وأقلقته الهواجس ذاتها حولها، وبالتالي أوصى بإنشاء هذا الجهاز .. وهي خطوة إجرائية مهمة شاقة ومعقدة، تتطلب بالضرورة الإفادة من تجارب وخبرات الدول التي أنشأت مثل هذه المراكز والأجهزة؛ حتى تكون البداية من حيث ما انتهى الآخرون اختصاراً للوقت والجهد والمال وضماناً لكفاءة الأداء وجودة الإنجاز.. وما لم يتم ذلك فكأننا نصر على إعادة اختراع العجلة.
