كان المفكر العربي السوري، الدكتور عبد الله عبد الدائم قد أصدر كتابا في عام 1979، خصصه لمعالجة قضايا التربية في البلدان العربية، تحت عنوان "التربية في البلاد العربية حاضرها ومشكلاتها ومستقبلها". والكتاب دعوة للعرب ليتخلوا عن تركة التخلف، وأن يواجهوا متطلبات اللحاق بالعصر، وصياغة مستقبل منفتح، يشمل شتى جوانب الحياة. إن الخطوة الأولى على هذا الطريق، من وجهة نظر الدكتور عبد الدائم، هي التركيز على تنمية الموارد البشرية.
منذ صدور ذلك الكتاب في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وحتى يومنا هذا، سالت مياه كثيرة، لكن النتائج التي توصل إليها، والتي هي حصيلة تحليل رصين وعميق لمجتمعنا العربي، لا تزال تفرض نفسها بقوة، عند أية محاولة لصياغة مشروع تربوي حقيقي.
تحدث الكاتب بإسهاب عن السرعة التي تتسم بها حركة التاريخ، في الزمن المعاصر، وقد جاء ذلك متسقا مع رؤية المفكر الفرنسي، روجيه جارودي في كتابه البديل، الذي ترجم للعربية قبل فترة وجيزة من ذلك التاريخ. لقد أوضح جارودي أن البشرية ضاعفت إنجازاتها وإبداعاتها في الـخمسين سنة الأخيرة. كان كتاب جارودي قد صدر في منتصف السبعينيات. والمعنى واضح .. إن تاريخ البشرية المعروف لنا، منذ نشأة الكون، تضاعفت إنجازاته خلال الـخمسين سنة الأخيرة. وكان هذا الاستنتاج الذي قاله جارودي قد صدر قبل أكثر من 30 عاما. وبالتأكيد لم تكن وتيرة التطور العلمي آنذاك، بالسرعة التي تجري الآن، والتي تسابق سرعة البرق.
لقد تغيرت صورة العالم، منذ تلك الفترة، بشكل دراماتيكي. انتهت الحرب الباردة، وانتهى معها النظام العالمي الذي ارتبط بنتائج الحرب العالمية الثانية، وبلغ الكشف الإنساني في مجالات الفضاء آفاقا واسعة، وحط الإنسان أجهزته ومختبراته في مدارات وكواكب جديدة. واختزلت المسافات، وتواصل التطور العلمي، وبلغ مناطق غير معهودة، محدثاً ثورات جديدة في مجالات التقانة والاتصالات والبيولوجيا، ونشطت حركة الإبداع الفني والثقافي مستخدمة أساليب وأدوات جديدة. أصبح الحاسب الآلي في كل بيت، ومعه دخل الهاتف المحمول والإنترنت والبريد الإلكتروني، والقنوات الفضائية، من كل المسارب والاتجاهات. وجرى لأول مرة في التاريخ رسم خريطة بيولوجية للإنسان، وتم استنساخ الحيوانات، وعلى الصعيد العسكري، حدث تطور هائل في مجال الأسلحة الموجهة والإلكترونية وحرب النجوم. والثورات الإنسانية، في المجالات كافة، رغم هولها وقوتها، لم تزل في بدايتها. ونحن ما زلنا نبحث عن مواضع لأقدامنا، وعن بوصلة تضيء لنا عتمة ما نحن غارقون فيه من الظلمة والضياع وهدر للكرامة والحقوق.
كيف يمكن تربويا تجاوز واقع الحال، واللحاق بركب التطور الذي يحاصرنا؟ وكيف ننتقل من استهلاك منتجات الحضارة، إلى المشاركة في صناعتها؟ وما هو سبيل الخروج من مأزق التطفل على الحضارة؟ إن الجواب يتطلب شجاعة مع النفس، وقراءة نقدية وعملية تفكيك لأسلوب حياتنا وأنماط تفكيرنا، ووعي حقيقة موقعنا الراهن في الخريطة الدولية، والمنظومة الإقليمية التي نرتبط بها بحكم الجوار والأواصر المشتركة، وضمن الأمة التي ننتمي إليها في اللغة والثقافة والتاريخ والدين والمعاناة، وضمن عالم فوار نشاطره العيش المشترك على هذا الكوكب.
لا بد من الاعتراف بأننا نعيش أزمة حقيقية بين أفكارنا وممارساتنا، ولم نتمكن بعد من تحقيق مصالحة بين معتقداتنا وسلوكياتنا. فنحن نفكر خارج التاريخ، إن فكرنا ونمونا الذهني قد تكلس وأصبح عاجزا عن مجارات ما يحدث من حولنا من تطور نوعي في مجال المعرفة والفكر. إن التاريخ هو التوثيق لنبض حركة الإبداع، وهو الذي يحدد من خلال رصده اتجاه بوصلة المستقبل. ومن دون حركة وعطاء وخلق لا يوجد تاريخ بالمعنى الصحيح. وبالمثل لا يوجد تعاط إيجابي مع الجغرافيا، لأن دورنا في التعامل معها هو دور المتلقي لا الصانع. إن غياب الموازنة في العلاقة بين الزمان والمكان أوجد غربة سحيقة، وانفصاما مرا جعلنا على الهامش، خارج الزمان والمكان، ومجازا خارج التاريخ والجغرافيا، رغم أننا نعيش فيزيولوجيا في القلب منهما.
ففي الجانب الثقافي، هناك بنية خاصة، مكونات قبلية وطائفية.. وعادات وتقاليد عفا عليها الزمن. إنها باستمرارها تخلق سدا منيعا يحول دون كسر العلاقات الاجتماعية القديمة والخروج من شرنقتها. ففي البيت يسود نظام يجعل نمو الطفل مكبلا، وفاقدا للإرادة، حيث تعزز نزعة الاتكالية وتقتل روح العطاء والإبداع. وفي المدرسة، يواجه الطالب بنظام أقسى وأكثر صرامة من الذي يواجهه في المنزل. إن مناهج التعليم في المدارس العربية، لا تختلف كثيراً عن الأعراف والتقاليد التي ينشأ عليها الطفل داخل منزله، والتي تكرس فيه نظام التقليد والجمود. وهكذا يتكرر الحال، بالنسبة لأجيالنا الجديدة في دورات متعاقبة، وفي إيقاع مستمر يتواصل معه الصخب، ولكن التاريخ، يبدو فيه متوقفا، غير قادر على التحرك إلى الأمام. وعند التخرج يواجه جيل الشباب بحقائق أكثر مرارة وتعقيدا، تدخل ضمنها المحسوبية والواسطة والوجاهة والحسب والنسب.
إذا كان علينا أن نتجاوز واقعنا الراهن، فيجب أن نعترف، دون مواربة ليس فقط بقوة رسوخ العناصر التي تكرس التخلف في ثقافتنا، ولكن أيضا بقوة حراسها والمدافعين عنها. إن هناك مؤسسات وأفرادا عاشوا لفترة طويلة يقتاتون من هذا الواقع ويعيشون عليه ويرون في التعرض له خطرا على مصالحهم. وسيستخدمون كل الأسلحة بما في ذلك توجيه تهم الهرطقة لكل من ينشد التمدين والتحديث وسيادة نهج التسامح.
في ظل سيادة الجهل وضحالة الفكر وقفل أبواب الاجتهاد، تحدث قطيعة معرفية مع العالم. وتنتشر ثقافة الرأي الواحد، ويسفه العلم الحق والعمل الحق. ومع حالة التداعي هذه، لا تبقى سوى واحدة من ثقافتين: الأولى تذهب بعيدا في عمق التاريخ، مستمدة قوتها منه، والأخرى تغترب في المكان فتبرز ثقافة السوق وتنتشر الأعمال الهابطة، في الفنون والأدب والفكر.
وفي واقع كهذا، تتراجع البصمات الجميلة والأصيلة من إبداعاتنا وتتعطل عملية الخلق، ويسود خواء ساحق، وانفصام مر، ويغدو الفصل محتما بين الماضي والمستقبل، ويصبح الحاضر معلقا، بين ماض راكد سحيق لجأت إليه الأمة كعامل رئيس في حيلها الدفاعية ومقاوماتها لتأخذ مكانها في عالم لا يسلم إلا بلغة القوة، وتنتفي فيه مقاييس الحق والعدل، وبين مستقبل تتيه فيه الرؤية والهوية وعناصر القوة، ويعيش فيه الفرد في حالة افتتان وانبهار بآسره.
لكي ينتصر مجتمعنا في معركته مع التخلف يجب أن تكون نقطة البداية إحداث تغيير جذري وجوهري في المرتكزات الثقافية، وأن يتجه التغيير، في كل الأحوال، إلى المستقبل.. إلى الأجيال القادمة.. إلى العناصر التي يفترض فيها أن تساهم في صناعة ربيعنا الواعد وغدنا الأفضل. لا بد من تعميم نظام قائم على الاحترام والفهم المتبادل، وكسر حاجز الخوف من الكشف لدى الأجيال الجديدة، وتشجيعهم على اقتحام تجربتهم الخاصة وتعلم العلم الحق والقول الحق.
