«ويكيليكس» .. القراصنة يتحدون .. هل نحن آمنون؟

|
الجميع سمعوا .. قرأوا .. بل ربما ملّوا حديث وسائل الإعلام عن موقع ويكيليكس وتسريبات الوثائق، ومن أين حصل مؤسس الموقع جوليان أسانج على هذه الوثائق، هل هو أحد قراصنة شبكة الإنترنت (هكر) قام بالدخول غير النظامي على أنظمة الاستخبارات الأمريكية وغيرها ممن لديهم تلك المعلومات؟ أم هو صحافي بارع لديه مصادره من جواسيس وهكر وغيرهم ممن تغلغلوا في تلك النظم بصورة نظامية أو غير نظامية؟ أم أنه لا يعدو أن يكون ممثلا بارعا قد تم صياغة دوره وإخراجه في حبكة درامية سياسية متقنة لشغل العالم ببعض الأحداث عن أحداث أخرى ... أو نشر بعض الوخزات لبعض القادة والسياسيين حول العالم، وعلى سبيل الخصوص من بدأوا التجرؤ برفع الأصوات في حضور الكيان الإسرائيلي المدلل، كما تألقت في ذلك بطولة الرئيس رجب طيب أردوغان إبان الهجوم الكبير الماضي على غزة ... أو ربما لنشر الشك والريبة وزرع الفتنة بين دول وأخرى؟! وعلى كلٍ فلن أخوض في إجابات هذه التساؤلات السياسية التي أصبح يخوض فيها السياسي وغيره من عامة الناس ... فلست سياسياً ولا من هواة السياسة ... إنما شدني بعد هذه الأسابيع من الأخذ والرد في هذا الموضوع ما نشر في موقع ''قناة روسيا اليوم (RT)'' بتاريخ 10/12/2010 بعنوان ''قراصنة الإنترنت يتحدون لنصرة قرصان المعلومات السرية'' ومضمونه أن فريق لقراصنة الكمبيوتر يدعى ''أنونيمس'' -Anonymous Hacking Group- يتألف من 1500 عضو، قد هددوا بتعطيل المواقع الإلكترونية للحكومة البريطانية في حال سلمت بريطانيا جوليان أسانج مؤسس موقع ''ويكيليكس'' إلى السويد. ولم ينتظر هذا الفريق وربما غيره من مجموعات القراصنة المتعاطفين مع جوليان أسانج هذه الخطوة فبدأوا بعض الهجمات على بعض المواقع الشهيرة التي رفضت التعامل مع موقع ويكيليكس، ومنها موقع شركة أمازون Amazon الشهير للتجارة الإلكترونية وموقع أنظمة الحسابات المالية باي بال PayPal وفيما استطاعوا إعاقة بعض خدمات الموقع الأخير لبضع ساعات وفقاً لهذا المصدر نقلاً عن بعض الخبراء البريطانيين، فقد استغرق هؤلاء ''الهكر'' ساعات في محاولة اختراق موقع أمازون الذي كان يستضيف موقع ويكيليكس على سيرفراته، ثم امتنع أخيراً عن تقديم خدمة الاستضافة لهذا الموقع، على كلٍ لم يستطع الهكر اختراق واجهة موقع أمازون لكنهم تمكنوا من تجميد خدماته DDos لمدة نصف ساعة بعد الساعة التاسعة من مساء يوم الأحد الماضي وفقاً لموقع تيلكوم تيفي TelecomTV على الإنترنت. ومن هنا تظهر بوضوح بدايات التبلور الحقيقي لمفهوم جديد وغير تقليدي من المظاهرات الإلكترونية والحروب الإلكترونية والجرائم الإلكترونية المنظمة عبر شبكات الإنترنت، والتي لا تنحصر في بقعة من الأرض أو إقليم أو دولة، بل تمتد عبر طول الأرض وعرضها، وقد تستقطب إليها أعدادا هائلة من البشر الذين يجمعهم الهم الواحد أو الغاية والأهداف نفسها. وعبر هذه الأحداث تبرز بشكل واضح ضرورة الاهتمام بالأمن الإلكتروني بشكله الخاص على مستوى الأفراد أو الشركات أو القطاعات الحكومية ككيانات مستقلة إدارياً من جهة، وعلى المستوى الشامل للوطن من جهة أخرى. تخيل في حياتنا اليومية العادية لو لم يكن هناك جهاز شرطة يتعقب المجرمين ويقبض عليهم، ويقصده المتضررون برفع شكاواهم عما يواجهونه من سرقات أو عمليات نصب واحتيال وغيرها، ثم لو لم يكن هناك جهاز للتحقيق والادعاء وفحص الأدلة وإثبات التهم أو نفيها، أو لم يكن هناك جهاز لإصدار الأحكام وفقاً لتلك الأدلة والقرائن وإرجاع الحق لأهله ومحاسبة المذنبين، هل تخيلت معي مدى الفوضى والظلم والخوف الذي سيحدث في مثل هذا الحال - لا سمح الله، وكذلك الحال سيصبح لهذا العالم الرقمي الجديد إذا لم يُنظم على مستوى الوطن وتُحكم أموره بشكل حاسم قدر الإمكان. لقد أصبحت ممارسة نشاطات الإنترنت بمختلف أشكالها ثقافية كانت أو تجارية، أو مالية، أو سياسية، أو إعلامية، أو اجتماعية، جزءا لا يتجزأ من حياة كل بيت سعودي، لذا تأتي أهمية حمايتها وتنظيمها ليأمن الجميع ويأمن الوطن. لقد سبق أن تكلمت ربما باستفاضة عن موضوع الجرائم الإلكترونية ضمن ما يقارب سبعة مقالات في ''الاقتصادية'' بعنوان ''الإنترنت .. أساليب الاحتيال واختراق الخصوصية''، وأشرت فيها إلى نظام ''مكافحة الجرائم الإلكترونية'' الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/ 17 في يوم الإثنين 7 ربيع الأول 1428هـ، وتطبيق هذا النظام بفاعلية لحماية الوطن والمواطن وترسيخ مفهوم الأمن الإلكتروني يتعدى مفاهيم أمن المعلومات التي هي في غاية الأهمية، إلى ما هو أشمل كحماية الوطن والمواطن من جرائم النصب والاحتيال وغسيل الأموال والترويج بكل أشكاله واستغلال الأطفال والتنظير والتخطيط لقضايا الإرهاب وغيرها. هب أن شخصاً لشركته موقع إلكتروني يدير فيه أعماله الإدارية والمالية وتعرض للاختراق، مما سبب له خسائر مادية ومعنوية، واستطاع بوجود نظام مراقبة جيد في بنية شركته المعلوماتية، تقصي الفاعل ومعرفته .. فإلى من يشتكي رسمياً؟ ومن هو المعني والمخول والذي لديه القدرة على التحقيق في هذه القضية وإثباتها؟ ثم هل لدينا جهاز قضائي قادر على فرز مثل هذه الأدلة وفهمها ثم بناء أحكامه عليها في مثل هذه القضايا؟ ثم هب أن أحداً تعرض لقضية احتيال ونصب عبر الإنترنت فلمن يذهب ويشتكي؟ هل لدى مراكز الشرطة العادية أقسام معنية بمثل هذه الجرائم الإلكترونية تستطيع أن تتعامل معها؟ نحن فعلاً نحتاج إلى أن يكون هناك مراكز متخصصة لتلقي الشكاوى لجرائم الإنترنت لديها القدرة الفنية والإدارية والعسكرية للتعامل مع مثل هذه الجرائم على غرار المركز الأمريكي لتلقي الشكاوى لجرائم الإنترنتInternet Crime Complaint Center (IC3 ويمكن أن تكون هذه المراكز ملحقة كأقسام خاصة بكل أو بعض مراكز الشرطة في المملكة، كما أننا بحاجة إلى مركز عمليات أمن معلومات Security Operations Center - SOC يُعنى بكشف محاولات الاختراق أو حركة الفيروسات وغيرها من تهديدات الشبكة الوطنية للمعلومات والتحذير منها ومكافحتها. يوجد لدينا بشكل نادر مثل هذه المراكز على مستوى بعض الجهات الحكومية، ولكن حسب علمي لا يوجد مركز وطني واحد لهذا الغرض بينما يوجد مثله في عدد من الدول الأخرى. ،، ودمتم بخير وسعادة.
إنشرها