الجمعة, 30 أكتوبر 2026|18 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

احتل تطوران في الآونة الأخيرة في ماينمار عناوين الأخبار في جميع أنحاء العالم. ويتعلق الأول بالانتخابات الأخيرة في ماينمار في السابع من تشرين الثاني (نوفمبر)، التي شهدت ''فوز'' اتحاد التضامن والتنمية الحاكم المدعوم من الجيش بنحو 80 في المائة من الأصوات. وقاطعت الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية الانتخابات، ووصف العديد من الدول في جميع أنحاء العالم بأنها مهزلة. وقد أصاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما كبد الحقيقة حين قال إن الانتخابات ''لم تكن حرة ولا عادلة''.

والتطور الثاني والأكثر أهمية هو إطلاق سراح أونج سان سو كي الحائزة جائزة نوبل من الإقامة الجبرية من قبل المجلس العسكري في 13 من تشرين الثاني (نوفمبر). وقد تم احتجاز سو كي لمدة 15 عاماً تقريبا خلال 21 عاماً الماضية، ورحبت الحكومات في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الهند، بإطلاق سراحها.

ومع ذلك، يثير كل من هذين التطورين قلق مؤسسة السياسة الخارجية الهندية إلى حد كبير. فبعد بيان الرئيس الأمريكي باراك أوباما خلال زيارته الأخيرة للهند في وقت سابق من هذا الشهر في خطابه أمام جلسة مشتركة للبرلمان الهندي ـــ حيث قال ''حين يتم قمع الحركات الديمقراطية السلمية ــ كما هي الحال في بورما ـــ لا يمكن أن تظل ديمقراطيات العالم صامتة،'' ـــ تجدد النقاش في دوائر السياسة في الهند عن سياستها تجاه جارتها الشرقية.

وحتى أوائل التسعينيات، قدمت الهند دعماً واضحاً للحركة الديمقراطية في ماينمار. واحتجت الهند بشدة حين أنكر المجلس العسكري في ماينمار نتائج الانتخابات العامة عام 1990، التي فاز فيها حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية لأونج سان سو كي بأغلبية ساحقة. ولكن ذلك كان في ذلك الحين. وحين بدأت الصين، ولاحقا باكستان، بالتقرب من ماينمار، قررت الهند تغيير موقفها.

وكانت زيارة وزير الخارجية الهندي في ذلك الحين، جاسوانت سينج، إلى ماينمار عام 2001 هي التي كسرت الجليد. ومنذ ذلك الحين، هناك دفق مستمر من الاتصالات رفيعة المستوى بين البلدين. وفي وقت سابق من تموز (يوليو) من هذا العام، قام الجنرال العسكري القوي في ماينمار، ثان شوي، بزيارة رسمية لمدة خمسة أيام إلى الهند. وخلال هذه الزيارة، وقعت الدولتان عددا كبيرا من الاتفاقيات التي شملت اتفاقية لبناء وتحديث طريق ري ــ تيدام عبر ميزورام في شمال شرق الهند في مشروع بقيمة تزيد على 60 مليون دولار، ممول من مساعدات المنح الهندية. وتمت مناقشة العديد من القضايا الأخرى بين الجانبين مثل التعاون لمكافحة الإرهاب، وتوثيق علاقات الطاقة، ومشاريع التنمية المشتركة.

وفي حين أن تغيير الموقف هذا جلب للهند بعض المنافع الواضحة، إلا أنه اجتذب النقد والتوبيخ للهند حين يتعلق الأمر بسجلها في تعزيز الديمقراطية. ومع ذلك، قبل تحليل ما إذا كان يجب على الهند تغيير موقفها مرة أخرى فيما يتعلق بسياستها تجاه ماينمار، علينا تحديد مصالح الهند في هذا البلد.

أولا، لا تريد الهند أن تتقرب ماينمار كثيرا من الصين. فقد برز الإرهاب برعاية باكستان بالفعل كمصدر قلق أمني بالنسبة للهند، على الرغم من أن ''صداقة الصين وباكستان الملائمة لكل الظروف'' تزداد قوة. ومنذ توليه رئاسة باكستان عام 2008، قام آصف علي زرداري، بست زيارات إلى الصين.

ثانيا، تتشارك ماينمار بحدود طولها 1600 كيلومتر مع منطقة شمال شرق الهند التي ينتشر فيها التمرد. ولدى العديد من جماعات التمرد في شمال شرق الهند معسكرات في ماينمار. وقد سلمت حكومة الشيخة حسينة الحالية في بنجلادش إلى الهند الكثير من المقاتلين المطلوبين في منطقة الشمال الشرقي وتريد الهند أن تحذو ماينمار حذو بنجلادش.

ثالثا، يحتاج اقتصاد الهند المزدهر إلى موارد الطاقة، وماينمار غنية بالغاز الطبيعي. ولم يتم تشغيل خط أنابيب إيران ـــ باكستان ـــ الهند بسبب عوامل مثل المعارضة الأمريكية، والوضع السائد في باكستان.

رابعا، إن الروابط الجيدة مع ماينمار عنصر مهم في سياسة التوجه الهندي شرقاً. وفي إطار هذه السياسة، تنفذ الهند مجموعة من المشاريع في ماينمار. ويهدف أحدها، وهو مشروع كالادان متعدد الوسائط للعبور والنقل، إلى زيادة وسائل النقل على نهر كالادان الذي يتداخل مع ولاية ميزورام شمال شرق الهند ثم يصب في خليج البنجال بالقرب من ميناء سيتوي. ومن المثير للاهتمام أنه يتم تنفيذ مشروع كالادان من قبل شركة هندسية هندية هي إيسار. وبمجرد الانتهاء من المشروع، سيوفر لمنطقة شمال شرق الهند غير الساحلية وصولاً مباشرا إلى ميناء سيتوي. وهذه المنطقة مهمة أيضاً بالنسبة للهند بما أن شركتها أو إن جي سي (لجنة النفط والغاز الطبيعي) فيداش ليميتيد، وشركة سلطة الغاز الهندية المحدودة، تمتلكان حصة بنسبة 30 في المائة في استكشاف وإنتاج الغاز قبالة الساحل في المناطق قرب سيتوي.

قد تم إنشاء طريق الصداقة بين الهند وماينمار بطول 160 كيلومترا، بين تامو وكاليمايو في ماينمار الذي يمتد حتى كاليوا، بمساعدة الهند. وفي المستقبل غير البعيد، قد يتم بناء طريق سريع عبر آسيا تمتد من شمال شرق الهند حتى هانوي في فيتنام.

ما خيارات الهند إذن؟

أولا، يمكنها العمل مع المجلس العسكري في ماينمار لوضع خطة تدريجية نحو الديمقراطية. ومثلما هي الحال في دول مثل جنوب إفريقيا، يمكن إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة في ماينمار.

ثانيا، يمكنها العمل مع الأمم المتحدة، ورابطة دول جنوب شرق آسيا للمساعدة على إيجاد صيغة لإحلال الديمقراطية في ماينمار. وقد تم انتخاب الهند أخيرا لتولي فترة رئاسة لمدة عامين باعتبارها عضواً غير دائم في مجلس الأمن الدولي، وهي تتمتع بعلاقات جيدة مع دول جنوب شرق آسيا. ولهذا فهي في وضع مناسب لتسهيل الاستعادة التدريجية للديمقراطية في ماينمار.

ثالثا، يمكن للهند أن تعمل مع الغرب (بما في ذلك الولايات المتحدة) ومع دول آسيا ذات التوجه الفكري المشابه على فرض مجموعة جديدة من العقوبات الذكية على ماينمار. فالعقوبات الحالية لم تجلب سوى البؤس للمواطنين العاديين، وليس للجيش.

إن الطريق أمامها وعر، وعلى الهند توخي الحذر. وكبداية، عليها أن تتخذ موقفاً مع الأخذ في الاعتبار مصالحها الوطنية، ولا سيما سياستها في التوجه شرقا والتي تعتبر ماينمار ركيزة مهمة فيها. وتتطلب الحكمة أن تتجنب الهند المراهنة على شيء واحد فقط.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: Opinion Asia

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية