الخميس, 29 أكتوبر 2026|17 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

بدايةً أشكر أخي وصديقي الأستاذ الدكتور ماهر بن عبد الله العودان المستشار والباحث في مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة، على إهدائي فكرة موضوع هذه الأسطر اليوم عن هموم البحث العلمي وواقعه في المملكة، حيث أشاطره وأتفق معه على رؤاه عن هذا الموضوع الحيوي. يقول الدكتور العودان إن أسراب الطيور حين تهاجر، فإنها تطير على ارتفاعات عالية، وتتشكل بطريقة هندسية على شكل مثلث رأسه باتجاه وجهة الهجرة متبادلة دور القيادة على رأس المثلث، فيما بينها، وذلك لتقليل الجهد والطاقة اللازمة لانتقال الطيور من موقع إلى آخر، حيث يصل توفير الطاقة إلى نسبة 60 في المائة، إذا ما قورن الجهد بكل طير على حدة. وإذا ما وضعت هذا التشبيه في الآلية المتبعة لهجرة الطيور على واقع البحث العلمي ومسيرته في المملكة، فإنك ترى النقيض من ذلك. لقد مكّنت الدولة ـــ رعاها الله ـــ كثيرا من مؤسسات البحث العلمي والدوائر القائمة عليه، وشجعت على التنافس في قضاياه غير أن عدم وجود مرجعية واحدة أفضت إلى تبعثر الجهود أو تكرارها، ما جعل هذا المحور المهم في حياة الأمم وسيلة لتحقيق غايات أقرب ما تكون إلى الفردية في نتائجها، وبالتالي فقدان كثير من الطاقة اللازمة للوصول إلى الهدف. الهدف من البحث العلمي هو كونه ضرورة وليس ترفا، فلا يوجد تقدم وتنمية مستدامة دون وجود ذراع لها، ولذلك تجد الدول المتقدمة والرائدة هي تلك المهتمة بهذا المحور في حياتها، فعلى سبيل المثال لم يتعد الإنفاق على البحث العلمي من إجمالي الناتج القومي في الدول العربية مجتمعة 1 في المائة، في حين أنه يشارف 3 في المائة في الدول الصناعية، والدول المتقدمة كدول الاتحاد الأوروبي، أو أمريكا، أو اليابان وغيرها. ولسنا هنا في حديث عن جلد الذات في إيرادنا مثل هذه المقارنات، بل إنه لا ينكر أننا محليا أصبح لدينا وعي واهتمام بمسار البحث العلمي محلياً وإقليمياً، ولكن المشكلة تكمن في تبدد الجهود. فمثلاً في المملكة لدينا مراكز بحث بمقومات رائدة، ومعاهد بحوث متميزة في الجامعات على اختلاف تركيزها، ومدن ومؤسسات بحثية متطورة ومتخصصة وغيرها من الدوائر في هذه المنظومة المهتمة في هذا المجال، التي تدل على الاهتمام والإيمان برسالة البحث العلمي، إلا أن الأمر يكمن في انفرادية الجهد، وبالتالي هدر للطاقة، والجهد، والمال، ومستلزمات التطور. نعم التنافس، فيما بين دوائر البحث العلمي، مطلب ضروري، وإدراك أن التفريعات فيه متناهية الصغر وعديدة، حيث يمكن لكل جهة أن تهتم بجزئية منه، لكن ذلك ليس هو واقع الحال. والأمثلة على التكرار في مواضيع البحث العلمي كثيرة، إذ يمكن أن تجد أكثر من مؤسستين تبحثان الموضوع نفسه، والكل يدّعي وصلاً بليلى، مثلما قال الشاعر، في كونه صاحب الريادة فيه. إن السبب ـــ في تقديري ـــ هو عدم وجود مرجعية واحدة من شأنها أن تقود أسراب الطيور للوصول إلى الهدف، وليس المطلوب هو إيجاد مزيد من البيروقراطية المؤسساتية، بل إيجاد آلية مرنة تحتكم إلى استراتيجية موحدة واضحة المعالم والأهداف، وتشجع على البحث، ولا تقتله لكي نخرج بجهد جماعي يخلو من الانفرادية منتهاه تنمية مستدامة بأقل جهد وأكفأ نتائج.

أستاذ العلوم المالية المشارك في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية