من أهم ميزات العمل الجماعي الناجح ـــ خصوصاً ذلك الذي يرتبط بمصائر الشعوب ـــ أن تكون نتائجه عميقة لا سريعة، وأن تكون استراتيجية لا ارتجالية، وأن تكون واقعية لا "حالمة"، وأن تتعاطى مع المستقبل لا الماضي، وأن تستثمر ما هو موجود على الأرض، لا أن تبدِّد الوقت في البحث عمّا هو غير موجود أو وهمي. وفق هذه المفاهيم نجحت تجمعات إقليمية، وحققت قفزات نوعية في نطاق الإنجازات المطلوبة، ليس من قادتها فقط، بل من شعوبها أيضاً، خصوصاً عندما تحولت إلى مثل يُحتذى. وتكتسب الإنجازات الناجمة عن المعايير المشار إليها أهمية كبيرة، لأنها تستهدف الأجيال القادمة، بقدر استهدافها الأجيال الراهنة. الأمر كله عبارة عن عملية بناء، لا عملية "تزيين". فقد شهد العالم ـــ ولا سيما المنطقة العربية ـــ تجمعات سياسية واقتصادية، لم تخرج عن نطاق اجتماعاتها، ولم تبرر حتى وجودها، على مدى سنوات طويلة، ماذا حدث؟ باتت مجهولة حتى للشعوب التي تخصها!
وعندما يتفق قادة دول مجلس التعاون الخليجي في قمتهم الأخيرة في أبو ظبي، على استراتيجيات تنموية، من بينها استراتيجية التنمية الشاملة المطورة بعيدة المدى 2010 – 2025، بعد 31 عاماً على إنشاء المجلس، هذا يعني أن جميع الطرق المؤدية لتنفيذ هذه الاستراتيجيات، ستكون سالكة وبعيدة عن "المطبات الارتجالية"، وبالتالي ستكون النتائج مُرضية للشعوب المَعنية، التي من حقها بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل الجماعي الخليجي العربي، أن تنعم بفوائد التجمع، وآثاره الإيجابية الآن وفي المستقبل. السماح ـــ مثلاً ـــ بفتح فروع للشركات والمؤسسات في الدول الأعضاء، بكل الميزات التي تتمتع بها الشركات الوطنية، واعتماد ـــ مثلاً أيضاً ـــ الحماية التأمينية للعسكريين والعاملين في القوات المسلحة، ووضع الإطار العام للاستراتيجية الإحصائية الموحدة لدول المجلس، والالتزام (والاهتمام) باستكمال العمل في مشروع سكة حديد بين دول المجلس، هي بمنزلة توثيق الروابط بين شعوب الدول المنضوية تحت لواء مجلس التعاون، ويعني أيضاً، فتح آفاق جديدة وواسعة للحراك الاقتصادي الخاص (من فرص ومزايا وقوى جذب)، الذي بدأ منذ سنوات في احتلال موقع رئيس في التنمية المستدامة، فالشراكة بين القطاعين العام والخاص، لم تعد مسألة اختيار.
ولا شك في أن التوازن والروية في اتخاذ هذه الخطوات الاستراتيجية التاريخية، يوفران أجود الضمانات، في عملية البناء والتطبيق، وتحقيق النتائج والإنجازات، بما يخدم الأسس والأهداف التي قام عليها المجلس. فمجلس التعاون الخليجي العربي، يرسم معالم مستقبل شعوب، وضعت كل الثقة بقادتها والقائمين على مسيرة التنمية، وترغب في أن تكون متشابكة مع بعضها بعضا، وفق مصالحها الوطنية والخليجية في آن معاً. وهذا الأمر لم يعد صعباً بعد سنوات زادت على ثلاثين من العمل والتخطيط، ومن الرؤى المتوازنة والواقعية. ليس مهماً اتخاذ قرارات اعتباطية وعاطفية، لا تؤثر حتى فيمن أصدروها، وليس مهماً إصدار مقررات سريعة لا تظهر في الواقع إلا في البيانات الصحافية، وفي أغلب الأحيان تكون لمثل هذه المقررات والقرارات آثار سلبية عميقة. المهم أن تكون هناك مقررات استراتيجية، تأخذ بعين الاعتبار المصاعب والإمكانات المتوافرة لتحقيقها. وإذا ما ارتبطت المقررات بمصائر الشعوب، فلا مانع من أن يتأخر صدورها وإقرارها سنوات ـــ مهما كانت طويلة ـــ إذا ما كان الزمن ومعه الحكمة يضمنان تنفيذاً عملياً لها.
والحقيقة أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية، استبعد جانباً ـــ منذ التأسيس ـــ الدوافع العاطفية، ووضع أمامه الدوافع التي توفر لشعوبه، ترابطاً منهجياً، ومصالح متبادلة لا متعارضة، وفوائد تعم حاضراً ومستقبلاً، في عالم بات الترابط الحقيقي المجرد فيه، نوعاً من أنواع الأساطير.
مرة أخرى .. إنها عملية بناء الغد، لا مناسبة احتفالية مليئة بالشعارات.
