تسترشد العلاقات بين الهند وإفريقيا بتاريخ طويل من التضامن والقيم المشتركة والمثل العليا منذ أيام حركة عدم الانحياز. وتشترك حملات الاستقلال ضد الاستعمار في القارة الإفريقية وشبه القارة الهندية بتراث مشترك.
وهناك إدراك متزايد بأن الاقتصادات الإفريقية تمر بمرحلة تنمية، حيث يمكن للهند تقديم التكنولوجيا الأنسب والمنتجات الملائمة بأسعار تنافسية. وتشير دراسة جديدة أجراها اتحاد الصناعة والتجارة الهندي إلى أن "الوقت ملائم جداً لكي تجري الهند تقييماً واقعياً للفرص التجارية التي تتيحها إفريقيا". وفي السنوات الأخيرة، تعمل الهند بنشاط على تعزيز التجارة مع إفريقيا ببذل جهود واعية لتحسين العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية. وبمبادرات مثل قمة المنتدى الهندي ـــــــــ الإفريقي، منتدى الهند-سادك (الاتحاد الجمركي لجنوب إفريقيا، الذي يتألف من جنوب إفريقيا وناميبيا وبوتسوانا وليسوتو وسوازيلاند)، تسعى الهند لتعزيز التعاون على جميع المستويات. وبلغت التجارة الثنائية بين الهند وإفريقيا نحو 36 مليار دولار عام 2007 -2008، أي بزيادة قدرها 12 ضعفاً عما كانت عليه قبل سبع سنوات حين بلغت ثلاثة مليارات دولار.
وتظهر دراسة تركيبة التجارة الهندية الإفريقية أن الصادرات الإفريقية تستند إلى حد كبير إلى الموارد أو تتركز على المنتجات الأولية - على سبيل المثال، يشكل النفط 61 في المائة من هذه الصادرات يليه من حيث الأهمية الذهب والفوسفات والمكسرات وخام النحاس. وتشكل الأخشاب أيضاً واردات زراعية كبيرة من جانب الهند من الدول الإفريقية. ومن ناحية أخرى، تعتبر الهند موردة السلع الوسيطة أو المصنعة إلى إفريقيا.
وزادت حصة إفريقيا من الاستثمار الأجنبي المباشر الهندي بالقيمة المطلقة من 37.83 مليون دولار إلى 1569.82 مليون دولار خلال الفترة 1990-2006، إلا أن حصتها من حيث النسبة المئوية كجزء من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر الهندي انخفضت من 17 في المائة عام 1990 إلى 13.54 في المائة بين عامي 2002 - 2006.
وتستثمر الشركات الهندية في إفريقيا لأسباب مختلفة فبعضها يسعى للوصول إلى أسواق محلية أو إقليمية جديدة أو الحفاظ على الأسواق الحالية فعلى سبيل المثال تهدف استثمارات شركة تاتا للسيارات في جنوب إفريقيا إلى الحصول على أسواق لأن السيارات المصنعة في جنوب إفريقيا تباع في البلد. وقد يكون الهدف من الاستثمار الأجنبي المباشر أيضاً تحقيق الكفاءة من أجل الاستفادة من تكاليف المدخلات المنخفضة. ومن ناحية أخرى، فإن الهدف من الاستثمار الأجنبي المباشر لشركات مثل شركة النفط والغاز الطبيعي المملوكة للدولة هو الحصول على الموارد الطبيعية. وقد استثمرت شركة Videsh، الشركة الخارجية التابعة لشركة النفط والغاز الطبيعي في نيجيريا والسودان لضمان الحصول على الموارد لتلبية احتياجاتها من الطاقة. وقد ساعد الشتات واللغة، إضافة إلى أوجه التشابه الثقافية الهندَ على اكتساب ميزة في إفريقيا. ووفقا لأحد المسوح فإن 48 في المائة من أصحاب الشركات من أصول عرقية هندية هم أيضاً إفريقيون بالجنسية، مقارنة بنسبة 4 في المائة فقط من الذين من أصول عرقية صينية وجنسية إفريقية. ويعيش في إفريقيا نحو مليوني هندي في الدول الناطقة باللغة الإنجليزية في جنوب وشرق إفريقيا. ونسبة 60 في المائة تقريباً من سكان موريشيوس هم من أصل هندي.
إلى جانب العوامل الاجتماعية، والتغيرات في معدلات الضرائب على الشركات وغيرها من الحوافز الضريبية تساعد أيضاً سياسات التخصيص في الدولة المضيفة على تحديد التدفق الداخل للاستثمار الأجنبي المباشر فجنوب إفريقيا مثلا تطبق نظام التأمين ضد المخاطر السياسية للاستثمارات الأجنبية.
وتشجع معاهدات الاستثمار الثنائية ومعاهدات الضريبة المزدوجة أيضاً على تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر. ووقعت الهند معاهدات استثمار ثنائية مع سبع دول ومعاهدات ضريبة مزدوجة مع تسع دول. ووقعت الهند معاهدة استثمار ثنائية مع السودان عام 2003، وشرعت بعد ذلك في استثمار مليار دولار في قطاع النفط السوداني. وتعتبر الهند الآن ثاني أكبر دولة مصدرة إلى السودان. إضافة إلى ذلك، هناك مصالح استراتيجية مشتركة بين الهند وإفريقيا. وهناك اعتراف طويل الأمد في نيودلهي بأن الدول الواقعة على الساحل الشرقي لإفريقيا المتاخمة للمحيط الهندي ــــــــ من جنوب إفريقيا إلى الصومال ـــــــــ تندرج تحت المجال الاستراتيجي البحري للهند. والبحرية الهندية نشطة في دبلوماسية الدفاع في المحيط الهندي، حيث وفرت غطاءً أمنياً بحرياً خلال قمة الاتحاد الإفريقي عام 2003 والمنتدى الاقتصادي العالمي عام 2004 في موزمبيق.
وتواجه الهند منافسة في إفريقيا من الصين. إلا أن استراتيجية الاستثمار للصين مختلفة عن استراتيجية الاستثمار للهند، حيث تتبع سياسة استخراج الموارد الاستعمارية الجديدة. وتقوم الصين باستثمارات تستند إلى الموارد وهجماتها التجارية تقوم في الغالب بين الحكومات. ومن جهة أخرى، فإن الاستثمار الهندي مدفوع إلى حد كبير بالقطاع الخاص وأكثر اندماجاً مع الداخل. وزادت تجارة الصين الثنائية مع إفريقيا بنسبة الضعف تقريباً عن تجارة الهند حيث بلغت 60 مليار دولار عام 2008. وبالمثل، تتبع الصين نهجاً عدوانياً، حيث تستهدف الدول الغنية بالموارد مثل السودان وأنجولا والكونغو. ولكن خلال السنوات القليلة الماضية، واجه الوجود الصيني الكبير مشاعر الاستياء في بعض الدول الإفريقية.
وإفريقيا الغنية، سواء من حيث الموارد أو الأصوات في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالغة الأهمية بالنسبة للهند. وتدرك الهند أيضاً وجود عمالقة آخرين مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى الصين، والذين يتنافسون أيضاً للحصول على الموارد والأسواق نفسها. وما هو واضح هو أنه على الرغم من كون الهند لاعبة متأخرة نسبيا في الساحة، إلا أن البصمة الإفريقية للهند ستصبح أكبر في المستقبل. لكن بصمتها الثقافية ونهجها اللطيف هو ما سيضمن لها على الأرجح وجوداً متواصلاً على أساس المنفعة المتبادلة في إفريقيا.
خاص بـ "الاقتصادية"
حقوق النشر: Opinion Asia
