الخميس, 29 أكتوبر 2026|17 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تحديات البطالة والتضخم والنمو توجه بالسياسات والبرامج الاقتصادية. ويشكل التوظيف التحدي الرئيسي للسياسات الاقتصادية في المملكة مع وصول معدلات البطالة إلى 10 في المائة، وتصل عن الإناث إلى 25 في المائة. والآفاق المستقبلية لم تظهر تفاؤلا جازما لحلها مع زيادة نسبة الأجيال الشابة من عدد السكان.

وتحديات البطالة يعيشها عدد من الدول بمعدلات متفاوتة. فهي مشكلة شائعة ولكن حساسة. وأي برنامج للسياسات الاقتصادية يقاس نجاحه أو إخفاقه بدرجة تخفيض معدلات البطالة التي تعتبر أهم العناصر المؤثرة على رفاهية المواطن.

نحن في المملكة حديثو عهد بالتعامل مع مشكلة البطالة، وخطة التنمية الثالثة (1980 - 1985) توقعت أن معدل البطالة قريب من الصفر. وظل التعامل مع التوظيف والعمل على أساس اجتماعي وليس اقتصاديا حتى أن الشؤون الاجتماعية والعمل ظلا تحت جهاز واحد إلى وقت قريب.

تؤكد المؤشرات التصاعدية لمعدلات البطالة أن مشكلة البطالة تمثل التحدي الأكبر. نعم إنها مشكلة ولكن ليست مستعصية والخطوة الأولى لحلها بالاعتراف بأنها مشكلة اقتصادية. وحلها يعتمد على استخدام أدوات السياسات الاقتصادية المعروفة. والاقتصاد علم مثله مثل الطب يتطلب تشخيصا دقيقا وعلاجا فعالا.

ففي إطار تشخيص المشكلة يتضح أن البطالة وضعف إحلال السعوديين ليست هيكلية ولم تكن أيضاً شاملة لكافة القطاعات، إنما هي ظاهرة قطاعية. شديدة في قطاعات ومعتدلة في قطاعات أخرى. فقطاع الخدمات وخصوصاً تجارة التجزئة يتميز بتواضع أداء توظيف وإحلال السعوديين ويحتضن حوالي (1.4) مليون عامل غير سعودي أي حوالي 20 في المائة من مجموع العمالة غير السعودية. وفي المقابل هناك سجل أفضل لقطاعات في أداء توظيف وإحلال السعوديين، وهي الصناعات البتروكيماوية والأسمنت، والبترول، والمصافي، والكهرباء، والاتصالات، والنقل الجوي. وهذه القطاعات حساسة وتحتاج إلى مهارات عالية وتمثل حوالي ثلثي إجمال الناتج المحلي.

ويرجع هذا التباين في أداء توظيف وإحلال السعوديين بين القطاعات المشار إليها لأسباب اقتصادية بحتة. حيث تتمتع القطاعات ذات الأداء الجيد بإحدى المزايا التالية. الأولى: أنها تتمتع بنظام حوافز مجز مثل الصناعات البتروكيماوية من قروض ولقيم بسعر تحفيزي وبنية أساسية مجهزة. وتصل معدلات السعودة في الصناعات البتروكيماوية إلى أكثر من 90 في المائة وهي نسبة طوعية لا يفرضها أي نظام. وهذه المزايا مقابل إنتاجية عالية وهذا لا ينطبق على شركة سابك فقط إنما جميع الصناعات البتروكيماوية، ومصانع الأسمنت لديها نسب سعودة معقولة أيضاً.

أو الميزة الثانية: تمتع بعض القطاعات بميزة شراء (off take) الدولة لجميع منتجاتها وضمان أرباحها . مثل قطاع الكهرباء، والتحلية حتى بعد تخصيصها ستستوعب نسبة عالية من السعوديين.

أو الميزة الثالثة: تتمتع بعض القطاعات بمجال حصري مثل شركات الاتصالات والبنوك و(التأمين إلى حد ما) وشركة الغاز الأهلية . وممارسة النشاط في إطار حصري يوفر هوامش ربح مجزية لاستيعاب مزيد من السعوديين في التوظيف.

وفي ضوء هذه المشاهدات يتضح أن سياسات تحفيزية معينة استطاعت أن تحقق نجاحا في زيادة توظيف وإحلال السعوديين، كما يتضح أن الإحلال ليس مستحيلاً فشواهد السعودة في هذه القطاعات ملموسة.

وفي إطار إيجاد الحلول، من الصعوبة الأخذ بالميزة الأولى وهي توفير حوافز مجزية التي هي أصلاً مرتبطة بالميزة النسبية للمملكة وهي الثروة النفطية وقطاع الخدمات ارتباطه ليس مباشرا باستغلال الموارد . وكذلك من الصعوبة الأخذ بالميزة الثانية وهي ضمان شراء الخدمات لأن الحكومة لا تشتري ولا تقدم خدمات (بيع التجزئة مثلاً) . وبالتالي يتبقى خيار السياسات الاقتصادية المتاح لزيادة معدلات توظيف وإحلال السعوديين وتقليص معدلات البطالة هو خيار توفير ظروف حصرية لبعض نشاطات تجارة التجزئة وهي أكثر الأنشطة المرشحة لاستيعاب مزيد من السعوديين . بحيث يتم اختيار عدد من النشاطات الفرعية في تجارة التجزئة وحصر العمل فيها على السعوديين فقط واختيار هذه النشاطات يتطلب دراسة بعناية، فمثلاً يمكن اختيار نشاطات بيع أجهزة وخدمات الكمبيوتر والهواتف النقالة وتأجير السيارات والسياحة والطيران وغيرها، واتخاذ مثل هذه الخطوة سيقلص من مراكز البيع في البداية وانخفاض المعروض مع ثبات الطلب سيتولد مزيد من هوامش الربح، ويدفع بزيادة معدلات السعودة.

وهنا لا بد من التأكيد أن اختيار هذه القطاعات لابد أن يعتمد على دراسات، واختيارها هنا مجرد أمثلة ولكنه مبني على أن البطالة في المملكة تتميز بأنها متعلمة ومثل هذه القطاعات لديها فرص نجاح أكبر من تجربة الليموزين وسوق الخضار. وتشير بيانات مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات لعام 2009م بأن عدد العاطلين عن العمل في المملكة 463 ألف مواطن منهم 201 ألف يحملون شهادة بكالوريوس 121 ألف مواطن يحملون ثانوي يمثلون 70 في المائة من مجموع العاطلين, ويلاحظ أن هذه النسبة جميعهم من المتعلمين.

ومثل هذه النشاطات المقترحة مناسبة لقدرة الشباب السعودي مع وجود أعلى نسبة للعاطلين عن العمل بين عمر 20- 24 وهم يمثلون نسبة 30 في المائة من مجموع العاطلين. ولابد أن تواكب مثل هذه السياسة فتح نوافذ إقراض وتقديم مشورات فنية لهم لضمان النجاح. أي أن يتضمن الحل حزمة من السياسات والبرامج والمتابعة.

ولن تنجح أي جهود إلا مع تصحيح الاختلالات الهيكلية لسوق العمل لغير السعوديين في المملكة, ونقله من مستويات أقل كما هو الحال إلى مستويات أعلى في الكفاءة والإنتاجية.

وهذا يتطلب نظرة إلى هيكلة سوق العمل في المملكة، فحسب التقرير السنوي الأخير لمؤسسة النقد بلغ إجمالي قوة العمل في المملكة حوالي (9) ملايين عامل معظمهم غير سعوديين . وبتحليل التأهيل والإنتاجية لهذه السوق يتبين أولاً: أن مجموع الأميين الذين لا يقرؤون ولا يكتبون في سوق العمل حوالي نصف مليون سعودي ومليون عامل غير سعودي. ثانياً: أن الذين لا يحملون الشهادة الابتدائية ولكن يقرؤون ويكتبون (يفكون الحرف) حوالي مليون سعودي و (3.9) مليون غير سعودي . ويمثل هؤلاء (6.4) مليون عامل أكثر من ثلثي حجم سوق العمل في المملكة .

من الواضح أن 70(في المائة) من العمالة الأجنبية غير مؤهلة وبهيكلها الحالي فهي ليست مسؤولة فقط عن تعثر إحلال وتوظيف السعوديين ولكن مسؤولة أيضاً عن ضعف الإنتاجية والنمو الاقتصادي .

والمملكة يمكن أن تزيد من سرعتها في مسيرتها التنموية بإجراء تعديلات هيكلية على سوق العمل وكما حولت الهند والصين نقاط ضعفهما إلى قوة وهو عدد السكان الكبير وأصبح المورد البشري المدرب أهم موارد تلك الدول ومصدر ثروتها . وأيضاً المملكة في المقابل يمكن أن تحول حاجتها لقوة العمل غير السعودية إلى نقطة قوة ويمكن إستقطاب أفضل عمالة ماهرة عالمياً . وذلك بوضع حد أدنى لتأهيل العمالة الوافدة .

وبالتالي تحويل القوى العاملة غير السعودية في سوق العمل بالمملكة من ضعيفة الإنتاجية إلى عالية الإنتاجية . ويمكن من خلال هذه السياسة إحلال العمالة السعودية والإستفادة من العمالة غير السعودية تحقيق معدلات نمو إنتاجية عالية وزيادة قدرة المملكة التنافسية. وتساعد على نقل المملكة إلى حقبة تقنية متميزة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية