وادي حنيفة ذلك الوادي الذي عاشت على شفتيه قرى اليمامة
''فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها.. لما نسجتها من جنوب وشمأل''، وكان ذلك الوادي سببا بعد الله في وجود مدينة الرياض والقرى التي حوله عاشت على مياهه وآباره ردحا من الزمن، وتظللت بأشجاره، وتغذت من خيرات مزارعه التي تمتد بامتداد الوادي، لكن وخلال العقود الماضية أُهمل هذا الوادي وكادت معالمه أن تندثر، إلى أن أثبتت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض أنها حين تضع يدها على جرح فإنها يد جراح ماهر يعرف كيف يعالج المشكلة، وأن الهيئة هي من يجعل من الهندسة وعلومها فنا ومدرسة وأسلوبا تتميز به في جميع مشاريعها الحيوية. وليس هذا فسحب بل إنها جراحة تجميلية رائعة، وهو ما حدث يوم الأربعاء الماضي حين وزعت جوائز الأغا خان المعمارية في الدوحة، وقد استطاع وادي حنيفة بعد تأهيله أن ينتزع من بين 400 متقدم لهذه الجائزة، ليصبح هذا الوادي الجميل في صدارة الخمسة الفائزين بهذه الجائزة، وتمثلت المشاريع الأخرى الفائزة في ''إحياء تراث تونس حديث العهد''، ومتحف مدينة الزهراء في قرطبة الإسبانية، ومصنع نسيج إيبيكيول في إدرنة التركية، ومدرسة الجسر في كسياشي الصينية.. إنها تجربة مثيرة وعمل دؤوب استطاع معه أن يحصد هذه الجائزة.
إن الهيئة العليا لتطوير الرياض وهي تستمد رؤاها من رئيسها وأمير منطقة الرياض الأمير سلمان بن عبد العزيز، الذي تابع هذا المشروع التأهيلي لهذا الوادي وافتتحه حتى أصبح اليوم جوهرة تضاف إلى درر الرياض، وأجمل متنزهاتها الطبيعية، وأصبح بامتداده الجميل كالكورنيش المنعش يمتع سكان الرياض بمنظر رائع وساحر، هو ما يسجل للهيئة في إضافتها إلى تنسيق المواقع والتعامل مع الصخور بمنظور جديد يجعل منها تحفة وأماكن للجلوس، وتصبح الهيئة رائدة التنسيق للمناطق الصحراوية. وليست هذه هي المرة الأولى التي تحصل الرياض فيها على جائزة معمارية عالمية؛ إذ حصلت في السابق على خمس جوائز، فجامع تركي بن عبد الله وسط الرياض، وكذا ساحة الكندي وحدائق حي السفارات ونادي طويق وغيرها من مبان هي بالفعل تحف معمارية رائع الجمال تضيء سماء المدينة العمراني. كما أن جهود المخلصين في الهيئة وكوكبة المهندسين وبقيادة رئيس مركز المشاريع والتخطيط الدكتور عبد اللطيف آل الشيخ استطاعت الهيئة أن تجعل من مشاريعها أنموذجا يحتذى ومدرسة يتعلم منها المعماري المخطط والمنسق المحترف والإنشائي الخبير المتخصص، ويتطلع إلى جمال مشروعاتها كل أحد، وأن تحصد أغلى الجوائز المعمارية في العالم.
إن الرياض العاصمة التي ارتبطت بهذا الوادي منذ قدم التاريخ تعيد اليوم لهذا الوادي أهميته، وتحقق لهذا المشروع ربطا متناغما بين الحفاظ على البيئة ومفهوم الترفيه، وتضيف عناصر مهمة لسكان هذه المدينة من خضرة وماء وظل، وتضفي شعورا رائعا حين يتنزهون في روافده وجنباته، ويشعرون بأن هذا الوادي الذي يمتد عبر الرياض يحمل في طياته عبق الزمن مع ما يمتعهم به من جمال ورونق.
ولكي يستمر هذا الرونق والجمال فإني أقترح أن تقوم الهيئة بالتعريف بهذا المشروع، وأن هذا الجهد المبذول كشف عن هذا الجمال الرائع لهذا الوادي، وكلما كثر الزوار لهذا الوادي أسفر عن مشاريع استثمارية لهم، واستطاع أن يكتفي ذاتيا لصيانته وإضافة لمسات أخرى إلى جماله بدل أن تكون صيانته تمثل عبئا ماليا على الدولة، كما أن إجراء نشاطات ثقافية وترفيهية في هذا الوادي هو ما يجعله مقصدا سياحيا ومعلما حيويا مهما من معالم المدينة.
ولعل من المناسب أن يكون أول النشاطات بعد فوز هذا المشروع بمثل هذه الجائزة المهمة هو أن تُجرى مسابقة للتصوير باسم ''وادي حنيفة.. ألمى الرياض''؛ إذ هو كذلك في مثل هذه الأجواء الجميلة، وأن يوضع لهذا الوادي موقع على الإنترنت، وأن يمتزج وادي حنيفة بوادي التقنية؛ إذ إن الناس اليوم قبل أن يقوموا بزيارة هذا المكان في الواقع الحقيقي، يزورونه في المكان الافتراضي، وهو ما يجعل من أهمية وجود الوادي في الفضاء الإليكتروني مطلبا ملحا، ولكي تكتمل الصورة الجمالية لهذا الوادي يمكن أن تضاف إلى مسابقة التصوير مسابقة شعرية لهذا الوادي بأبيات جميلة للوادي الجميل الذي لطالما تغنى الشعراء بنجد وجمال أوديتها ورياضها.
أكرر طرفي نحو نجد وإنني إليه وإن لم يدرك الطرف أنظر
حنينا إلى أرض كأن ترابها إذا مطرت عود ومسك وعنبر
