ماذا يجري في الشرق الآسيوي؟ وعلى وجه التحديد: بين الصين واليابان والكوريتين الشمالية والجنوبية؟ توتر في بحر الصين والبحر الأصفر وفي جزيرة هنا وأخرى هناك.. قبطان صيني جاء يصطاد السمك على شواطئ قطعة من الأرض تركها التاريخ معلقة بين نزاع سيادتين صينية ويابانية، تجرأت اليابان على احتجازه فاستشاط التنين الصيني غضبا أربك أعصاب الساسة في اليابان فأفرجوا عنه دون محاكمة.
لم ترق هذه الخطوة من الحكومة اليابانية لأحزاب يمينية يابانية معارضة اعتبرتها مساسا بالكرامة القومية، وإذعانا مهينا لا سبيل للقبول به، وما من عذر على اتخاذ مثل هذا الإجراء سوى ضرورة أن يقدم رئيس الوزراء الحالي استقالته.
لكن هل كان بإمكان حكومة اليابان أن تصعد بالعناد إلى أوج ذهنية محارب الساموراي وفروسيته التاريخية؟ ثم هل تراها لو شاءت ذلك قادرة على رهن مكاسبها الاقتصادية لنزعة هكذا، خصوصا في وضع تدرك أن رياحه لم تعد تهب لمصلحتها بعدما أزاحتها الصين عن المرتبة الثانية في القوة الاقتصادية وحلت محلها، فضلا عن أن الصين ليست قوة اقتصادية فحسب، وإنما بشرية وعسكرية وتقنية جعلت الرعشة تسري في جسد الولايات المتحدة الأمريكية فكيف لليابان إذا أن تكابر؟!
أما في البحر الأصفر فقد كان الدم الأحمر يعيد رمزية ترتيل مأساة حرب الإخوة الأعداء بالأمس، إبان الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي، فالكوريون الشماليون صعقوا بصواريخهم كوريين جنوبيين عسكريين وآخرين مدنيين، وتمالكت كوريا الجنوبية نفسها أو طلب إليها ذلك، وخصوصا أن غشامة السياسة الكورية الشمالية قد لا تتورع عن دك العاصمة سول كهروب للأمام من أزماتها السياسية والتنموية، وفراغ السلطة بانتظار تتويج نجل الرئيس الراحل الزعيم الجديد، وطبعا فإن الصين وهي الحليف لكوريا الشمالية، هي من كان يمارس تبريد العصب الكوري الشمالي فيما تمارس أمريكا تبريد العصب الكوري الجنوبي، وإن كان في طريقة التبريد في الحالتين وهج من حرارة جمر الحرب الباردة في القرن الماضي بين المعسكرين الشرقي والغربي، حيث تواكب هذا التوتر بين الكوريتين مناورات مشتركة بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية، أكدت أمريكا أنها فقط لأغراض دفاعية وليست موجهة ضد أحد في المنطقة.
المراقبون، إزاء هذا الذي يجري في الشرق الأقصى لا يخفون خشيتهم من أن يدفع شد الجبال السياسية إلى حد يخلط جراح الماضي الغائرة بصراع حاضر القوة، وأن تكون الكرامة القومية والسيادة وقود حرب قادمة تتورط فيها هذه الأطراف مجتمعة جارة معها غيرها من دول المنطقة. إلا أن بعض المراقبين ينظرون إلى كل ذلك على أنه نوع من تهيئة المناخ لمقايضات حول مصالح في الأساس بين أمريكا والصين، وإنه وإن لم تكن هذه الأحداث نفسها مفتعلة، فإن حدوثها أفسح فرصة هذه المقايضة على وجه الصراحة والسرعة المطلوبتين، ولعل دعوة الصين إلى عقد مؤتمر في بكين لمعالجة هذا الوضع مؤشر على ذلك.
وأيا كانت الأهداف والمخططات فالشيء الأكيد في هذا التوتر أن المسألة أبعد من صيد سمك ونزاع سيادة!!
