شدني كثيرا رد الأمير خالد الفيصل على الحركيين وخفافيش ومشايخ الإنترنت على خلفية إشاعة إغلاق حلقات تحفيظ القرآن الكريم في منطقة مكة المكرمة.
وهو بهذا ضرب مثالا عمليا راقيا للأخلاق الإسلامية الحقة واقتداء بالهدي النبوي بمقابلة الإساءة بالإحسان، والشتم بالدعاء لنفسه ولهم بالمغفرة حينما قال «اللهم اغفر لي ولهم»، وهو بهذا اختار أن يقبض على دينه مصداقا لقوله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ في حديث أنس بن مالك ـــ رضي الله عنه ـــ «الصابر على دينه كالقابض على الجمر» صححه الألباني. إن مما يؤسف له أن هذه الحملة التضليلية بدأت في أيام مباركات وأشهر حرم واستمرت في وقت يفترض فيه الإكثار من طيب الذكر وصالح الأعمال.
لم أحترف الكتابة الصحفية في حياتي ولست باحثا ولا أديبا ولكن يعلم الله أن ما دفعني للكتابة هو حبي وغيرتي على كتاب الله وسنة رسوله أولا ثم دفاعا عن الحق والعدل اللذين هما أساس ديننا الإسلامي.
رأيت بداية توضيح بعض الحقائق:
الحقيقة الأولى: إن هناك توجيهات من سمو النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية في 15/7/1424هـ تتضمن سعودة حلقات تحفيظ القرآن الكريم وإن الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز ـــ رحمه الله ـــ حاول تنفيذ هذا القرار عدة مرات وذلك لأن هذا الموضوع يخضع إداريا لسلطات أمير المنطقة.
الحقيقة الثانية: بالأرقام عن تحفيظ القرآن الكريم في منطقة مكة المكرمة (1390 حلقة)، (120 ألف طالب) و(4000 معلم).
الحقيقة الثالثة: بالأرقام عن بعض جامعاتنا، العدد التقريبي للخريجين سنويا (جامعة أم القرى 4500 خريج)، (جامعة الملك عبد العزيز 4500 خريج)، (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 6000 خريج).
الحقيقة الرابعة: إن مهنة مدرسي مادة التربية الإسلامية قد تمت سعودتها من قبل وزارة التربية والتعليم منذ أكثر من عشر سنوات، ويفوق عدد المدرسين حاليا 30 ألف مدرس، منهم أربعة آلاف مدرس في منطقة مكة المكرمة وحدها.
بالنظر إلى هذه الحقائق تبرز عدة تساؤلات:
هل من التقدير لكتاب الله أن نسمح بإغلاق حلقات تحفيظ القرآن بحجج واهية وسخيفة مثل تدني الرواتب أو عدم وجود معلمين من السعوديين، الذين يفترض أنهم أقرب شعوب الأرض للقرآن منهجا وتطبيقا ولغة؟
وهل من التقدير لكتاب الله أن توكل هذه المهمة العظيمة لمن هو قادم لهذه البلاد بمهنة عامل أو سباك أو دهان أو عامل نظافة؟!
وهل من التقدير لكتاب الله تشبيه حلقات التحفيظ بأسواق الخضار وشركات الليموزين؟!
لو صرف الذين يدّعون حبهم للقرآن ويمارسون التضليل ويتفننون في إطلاق التهم بسبب أو بدونه.. لو صرفوا نصف وقتهم في تعويض النقص في عدد مدرسي هذه الحلقات (كما يدّعون) لما احتاجوا لشن هذه الحملة، ولأصبحوا أهل القرآن بحق.
أي عقل هذا الذي يقبل تحويل الحرب على الفساد والتستر إلى حرب مقدسة على كتاب الله وسنة رسوله؟
إن من يقف خلف هذا التشويه لصورة ولاة الأمر اليوم هم أنفسهم الذين وقفوا ضد الملك عبد العزيز والملك سعود وفيصل وخالد وفهد في مواقف معروفة وبالحجج نفسها.. وتبعهم للأسف القطيع نفسه بدافع إما جهل أو تعصب أو حقد. وصدق الله العظيم إذ قال «وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون» (سورة البقرة 11 ـــ 12).
وصدق رسوله الكريم ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ عندما قال في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري ـــ رضي الله عنه ـــ قال: قال الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ «يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» رواه البخاري ومسلم، إن بعض الذين نحقر صلاتنا عند صلاتهم لن يوردونا إلا إلى الدرك الأسفل من النار (والعياذ بالله من ذلك).
أعلم يقينا أن كثيرا من السهام سوف توجه ضدي، خاصة أنني أنتمي لإحدى العائلات المحافظة في هذه البلاد، ونحن للأسف نعيش في مجتمع تسير فيه الإشاعة مسرى النار في الهشيم وسوف أتهم بأني منافق ومداهن ومتنفع، ويعلم الله أنني لم أقابل خالد الفيصل في حياتي ولا تربطني به علاقة، وهذا لا يعني تنزيهه عن الخطأ فهو بشر يصيب ويخطئ، ويعلم الله أنني شخصيا من المتضررين من بعض قراراته.
قال رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه والنسائي.
اللهم إني أشهدك أني رأيت منكرا، وأشهدك أنني غيرته بقلبي، وحاولت تغييره بلساني.
