الخميس, 29 أكتوبر 2026|17 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تمت الإشادة على نطاق واسع برحلة الرئيس باراك أوباما أخيرا إلى الهند بوصفها ناجحة في كل من الهند والولايات المتحدة. فالهنود سعداء بتأييد أوباما لحصول الهند على مقعد دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بعد إخضاعه لإصلاحات وإزالة المنظمات الهندية (مثل منظمة أبحاث الفضاء الهندية ومنظمة أبحاث وتطوير الدفاع) من قائمة الكيانات المحظورة مما يمهد الطريق للاستخدام الثنائي لصادرات التكنولوجيا العالية من الولايات المتحدة. والأمريكيون سعداء بالإعلان عن توقيع صفقات تجارية بقيمة 10 إلى 15 مليار دولار بين الدولتين، والتي من المقدر أن توجد نحو 50 ألف وظيفة في الولايات المتحدة.

وفي حين تركز وسائل الإعلام في الدولتين على هذه الجوانب بشكل أساسي، لم ينتبه معظم المحللين إلى أن هناك تطوراً دقيقاً ولكنه مهم فيما يتعلق بسياسة التوجه الهندي شرقا خلال رحلة أوباما. فقد اتسع نطاق سياسة التوجه الهندي شرقا وبدأت القيادة الهندية أخيراً تدرك أن الولايات المتحدة تقع فعلاً إلى الشرق من الهند.

وفي خطابه في جلسة مشتركة للبرلمان الهندي، قال أوباما لمضيفيه الهنود إن أمريكا تريد ''أن لا تنظر الهند فقط للشرق''، بل ''تشارك في الشرق'' من أجل ''أمن وازدهار'' جميع الدول المعنية. وفي الواقع، فإن البيان المشترك في الثامن من تشرين الثاني (نوفمبر) لأوباما ورئيس الوزراء الهندي مانموهان سينج أكثر تأكيدا على هذه القضايا ويجدر الاستشهاد منه. وفقا للبيان، ''ترحب الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، بقيادة الهند في توسيع الازدهار والأمن'' في آسيا ومنطقة المحيط الهندي والمحيط الهادئ. ويضيف أيضاً أن الزعيمين اتفقا على ''تعميق المشاورات الاستراتيجية المنتظمة القائمة بشأن التطورات في شرق آسيا'' بين أشياء أخرى.

وقبل تحليل أي دور أمريكي، تجدر الإشارة إلى أن سياسة التوجه الهندي شرقاً لها سبب منطقي خاص بها تماماً. فقد تم الشروع بسياسة التوجه الهندي شرقاً من قبل رئيس الوزراء في ذلك الوقت، ناراسيمها راو في أوائل التسعينيات حين بدأت الهند تبحث عن أصدقاء وشركاء جدد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، الذي كان شريكاً مقرباً لنيودلهي خلال معظم أوقات الحرب الباردة. إضافة إلى ذلك، مع انفتاح الاقتصاد الهندي عام 1991، كان من الطبيعي بالنسبة للإصلاحيين الاقتصاديين في الهند أن يصبح ضروريا تعميق العلاقات التجارية مع دول جنوب شرق آسيا سريعة النمو.

ومع ذلك، فإنه في جوهر سياسة التوجه الهندي شرقاً هناك السعي للحصول على موقع استراتيجي جغرافي كقوة عظمى في آسيا - بدلا من مجرد قوة إقليمية في جنوب آسيا. ولطالما كانت هذه الرغبة موجودة منذ خروج الهند من مخلفات الحكم البريطاني في شبه القارة. وعشية استقلالها في أوائل 1947، نظمت نيودلهي مؤتمر العلاقات الآسيوية - أول مؤتمر من نوعه للدول الآسيوية والمناطق الاستعمارية يتم تنظيمه من قبل دولة آسيوية - تحت قيادة جواهر لال نهرو. وفي السنوات التالية، دافعت الهند عن استقلال إندونيسيا، ولعبت دوراً مهماً كمحاور دبلوماسي بين الصين والعالم خلال الحرب الكورية (1953)، وترأست لجان الرقابة والإشراف الدولية لفيتنام وكمبوديا ولاوس وفقاً لاتفاق جنيف حول الهند الصينية، بل وحتى قدمت الصين ورئيس وزرائها تشو إنلاي لدول إفريقيا وآسيا (بل وللعالم) خلال مؤتمر باندونج عام 1955.

إلا أن مسعى الهند للعب دور كقوة عظمى في آسيا تعرض لضربة كبيرة نتيجة لهزيمتها العسكرية على يد الصين عام 1962. وبسبب النمو الاقتصادي الضعيف في الهند نتيجة لاقتصادها المغلق، وهوسها بجارتها الغربية الباكستان، وسياسة الحرب الباردة، ظلت الهند حبيسة جنوب آسيا في معظم أوقات الحرب الباردة.

واجتمعت بصورة واضحة عدة عوامل جغرافية سياسية ومحلية لتعزيز قيام علاقات أوثق بين الهند ودور جنوب شرق آسيا منذ نهاية الحرب الباردة. وكان اختفاء الراعي السوفياتي للهند يعني أن هذه المنطقة الموالية للغرب عموما مفتوحة الآن للمبادرات في الهند. وعزز التحرير الاقتصادي المحلي في الهند أيضاً روابط الهند مع جنوب شرق آسيا. وإلى جانب مشاركتها في اقتصادات ''النمور'' الآسيوية، بدأت الهند أيضاً بسياسة ارتباط سياسي عسكري مع هذه المنطقة منذ أوائل التسعينيات فصاعداً. فعلى سبيل المثال، أجرت الهند أكبر عدد لها من التدريبات البحرية المشتركة مع سنغافورة منذ الشروع في التدريبات الحربية المضادة للغواصات المسماة Lion King بين الدولتين عام 1993.

واليوم، تعتبر الهند ورابطة أمم جنوب شرق آسيا شركاء على مستوى القمم. والهند عضو أيضا في المنتدى الإقليمي للرابطة، وعضو مؤسس في قمة شرق آسيا، واشتركت في اجتماع وزراء الدفاع للرابطة وشركاء الحوار الثمانية الذي عقد للمرة الأولى الشهر الماضي.

ومع ذلك، على الرغم من الأهداف العملية، فإن نيودلهي غافلة حتى الآن عن حقيقة أنه مع وجودها العسكري والجغرافي السياسي الكثيف في شرق آسيا، فإن الولايات المتحدة هي أهم لاعب استراتيجي في الجوار الشرقي للهند. وسياسة التوجه الهندي شرقا لم تبدأ تحت القيادة الأمريكية كما أن نيودلهي لم تدرك الوجود الأمريكي هناك بسبب سياستها في التوجه شرقاً حتى عهد قريب إلى حد ما.

وحدث التطور الحقيقي في العام الماضي حين بدأت الهند والولايات المتحدة حواراً رفيع المستوى بشأن شرق آسيا في محاولة لتنسيق مواقفهما نحو هذه المنطقة التي تزداد أهمية في الشؤون العالمية. ولا شك أن على الأجندة مسألة موقع الهند البحري فوق الممرات البحرية الرئيسة في منطقة المحيط الهندي الممتدة بين الخليج الفارسي ومضائق ملقا. ومن المتوقع كذلك أن يكون هناك قدر من التنسيق في السياسات بين الهند والولايات المتحدة لضمان الصعود السلمي للصين التي تزداد ثقة بنفسها.

مع ذلك، من الخطأ الافتراض أن هذا الحلف الجديد موجه ضد الصين. فوفقا لإيفان فيجنبوم، الخبير الرائد في شؤون السياسة الخارجية الأمريكية في الشؤون الآسيوية، فإن ''حوار أمريكا مع الهند أقل عالمية في نطاقه عن أي حوار مع أي قوة كبرى، حتى الصين''. وفي حين تقتضي الحكمة أن تتحوط الهند والولايات المتحدة لضمان صعود الهند سلمياً، فإن أياً منهما ليس مهتماً باحتواء الصين. وعلى نيودلهي أيضاً أن تتذكر أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة قد تدعم ارتباطها الاقتصادي والاستراتيجي مع شرق آسيا، إلا أن مفتاح النجاح في النهاية لسياسة التوجه الهندي شرقا يكمن في استمرار النمو السريع للاقتصاد الهندي.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: OPINION ASIA

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية