الثلاثاء, 27 أكتوبر 2026|15 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

إن التخطيط بأبعاده وعناصره المتعددة يحتم علينا أن نراجع بين الفينة والأخرى عناصره وأبعاده، بغية التعرف على مجرياته بعد كل مرحلة تنفذ فيها تلك الخطط، وهي عملية تحاكي المراقبة والتحكم في إدارة المشروعات، وذلك حتى تقيم المسائل في ضوئها، وتوضع لها بدائل وحلول تكون بمثابة العلاج لمشكلات ظهرت أو مستقبل يُستشرف منه ما يمكن أن يكون أفضل من الوضع الحالي، والتخطيط العمراني للمدينة يأخذ أبعادا عدة وعناصر مهمة يمكن للمدينة بعد أن يتم تخطيطها أن تسعد بمخطط سلس وشوارع تسلم من الاختناقات وطرق وأزقة تهتم بالمشاة قبل السيارات، إن البعد الإنساني للمدينة الذي بدأ يظهر في مدينة الرياض هو من أهم الأبعاد التي تم إغفالها في الفترة الماضية، وتمت مراجعتها وإضافتها للمدينة والآن يمكن لك أن ترى المشاة في الشوارع وهم ينعمون بأرصفة ترعى ذلك البعد مع ما نؤمل أن تصبح المدينة كلها بمثل تلك الشوارع.

أما البعد الذي أتحدث عنه في هذا المقال فهو بعد جعل المدينة معه مترامية الأطراف واسعة الأفق يصعب معها أن تكون ذات طابع إنساني سلس، وأن تمشي في طرقها لتصل إلى مكان تريده أو محل تقصده، يضاف إلى ذلك ما يحيط بهذا البعد من مشكلات متعددة منها ما هو أمني، ومنها ما هو خدمي، ومنها ما هو اقتصادي، إلى غير ذلك من مشكلات صاحبت إغفال هذا البعد وأصبح الآن يتطلب تصحيحا سريعا، حتى لا تعظم المشكلات، ويصبح حلها من رابع المستحيلات.

إن من ينظر إلى تخطيط مدينة باريس، وهي التي خططت في نهاية القرن قبل الماضي على يد المخطط هوسمان، حيث كانت لمساته التخطيطية بارزة إلى يومنا هذا لمدينة باريس، التي تعد اليوم حاضرة العالم، حيث تمتاز بجمال شوارعها، وسلاسة طرقاتها ومبانيها التي تمتد إلى تسعة أدوار في كامل أرجاء المدينة، مما جعل باريس أصغر حجما من الرياض، وهي المدينة التي لم يمضِ على تخطيطها سوى عقود من الزمن لتمتد بمساحة شاسعة وأحياء متفرقة وأفق عريض.

ولعل البعد الذي أريده اتضح للقارئ الكريم، وهو ما يلاحظ في مدينة الرياض من قزم مبانيها التي تمتد على الشوارع الرئيسة، حيث لا تجد في مدينة الرياض سوى شوارع قلة قد سمح لها بأن تمتد رأسيا بدل أن تصبح المدينة في كامل أحيائها ذات مبانٍ مرتفعة، ولئن كانت الأدوار التسعة عالية نسبيا، فلا أقل من أن تكون المباني من ستة أدوار في كل شوارع المدينة وبعض من أحيائها، حتى تستوعب التوسع السكاني الذي يهجم على المدينة منذ عقود بدء التوسع الأفقي للمدينة الذي لا نعلم منتهاه، وإننا بهذه المراجعة لهذا البعد سوف نستفيد منه في مدينة كمدينة الرياض، من عدة جوانب، ولعل من أهمها ما يلي:

1 ـــ أن يكون التوسع العمراني للمدينة ممتدا رأسيا بدل أن يكون أفقيا، مما يوقف معه الزحف الكبير والطلب على الأحياء الممتدة في كل اتجاه، ويمكن أن يتم تطوير الأحياء القديمة ووضع سقف مرتفع لها سوف يوفر على المدينة كل دور يضاف مساحة حي بأكمله، فمثلا لك أن تتخيل لو كان لحي من أحياء الرياض كالملز مثلا مثل هذا التنظيم لتضاعفت مساحة هذا الحي ثلاث مرات أو أكثر.

2 ـــ بناء وحدات سكنية صغيرة تؤوي المتزوجين حديثا بدل أن يبحثوا عن أرض كبيرة تبنى من دور واحد، و60 في المائة من الدور الثاني، ويضيعوا فيها سنين بحثا عن قروض، ولعل قرار مجلس الوزراء فك ارتباط القرض بالأرض ما يمكن كثيرا من الأفراد، خصوصا ممن هم في بداية بناء عش الزوجية من شراء وحدات صغيرة بعد أن تبنى عمارات سكنية متعددة الأدوار بدل أن يعمد الجميع إلى بناء الفلل التي تتطلب توسعا أفقيا بدل أن يكون التوسع رأسيا.

3 ـــ إن مدينة الرياض تحتاج إلى ظل ظليل، إذ هي ذات طقس حار، وهذه البنايات توفر ذلك الظل، وتمنح المشاة الذين يمرون أسفلها ما يحتاجون إليه من ظل وارف حال تنقلهم من مكان إلى مكان بدل أن تكون البنايات من دور واحد وارتدادات يستحيل معها أن يجد الرصيف ظلا يغطيه.

4 ـــ إن هذا الاتجاه سوف يخفف اتساع المدينة أفقيا مما يسهل معها التحكم فيها أمنيا، وهو البعد المهم لأي مدينة، حيث إن المدينة حينما تتسع بشكل أفقي تتضاعف فيها المشكلات، وتكثر في أطرافها السرقات، إذ يسهل على عصابات الإجرام أن تقوم بعمليات مختلفة في محيط متسع بدل أن تكون المدينة صغيرة ويسمع فيها أي طلب للغوث ويتجول فيها الأمن في كل نواحيها.

5 ـــ إن مدينة بمثل حجم الرياض تتطلب أي خدمة فيها أثمانا مضاعفة، فالمترو أو أي خدمة للنقل العام سوف تصبح مكلفة للغاية بمثل هذا الاتساع بدل أن تصبح المدينة ملتمة ذات قوام رشيق والخدمات فيها قريبة المنال، وعواصم العالم لا يمكن لها أن تكون من دور أو دورين لتستوعب هذا الزحف السكاني والطلب المرتفع على السكن وتمنحهم خدمات متعددة.

إنني أدرك أن هذا الإجراء ليس سهلا فهي عملية معقدة تكتنفها مشكلات عدة وأبعاد أخرى سوف تسبب إشكالات متعددة كتصميم الخدمات من كهرباء وصرف ومياه إلى المواقف وغيرها، لكن هل يمكن لنا أن نراجع تخطيط الأحياء الجديدة أو أن نراجع الشوارع العريضة أو أن نطور الأحياء القديمة بسقف يعطي المدينة رشاقة وبعدا آخر؟

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية