طالبت شركة تقنية المعلومات العملاقة ''جوجل'' الدول الغربية أخيرا بالتدخل لدى الحكومة الصينية وحكومات دول أخرى للحد من القيود التي تفرضها تلك الحكومات على ما أسمته بحرية تدفق المعلومات عبر الإنترنت، معتبرة ذلك تهديداً للتجارة الحرة! كما طالب السيناتور الأمريكي رون وايدن في جلسة استماع في مجلس الشيوخ، الحكومة الأمريكية بالعمل على محاربة سياسات الحماية التي تفرضها بعض الدول على الصادرات الرقمية، وأكد أن المصالح التجارية الأمريكية تعاني هذه الممارسات، حيث إن تلك القيود المفروضة تهدد مصالح شركات أمريكية عديدة تعتمد على الإنترنت في تقديم خدماتها إلى عملائها حول العالم.
وبينما يتزايد عدد الشركات التي تعتمد نماذج عمل مبنية على الإنترنت في تقديم خدماتها ومنتجاتها لعملائها على مستوى العالم، تشير دراسة أعدتها أوبن نت إنيشيتفز، وهي هيئة عامة تتابع أعمال الرقابة والقيود على الإنترنت، إلى أن هناك حالياً أكثر من 40 حكومة تفرض قيوداً كبيرة على تدفق المعلومات عبر الإنترنت داخل دولها، ووفقاً للدراسة، فإن ذلك يمثل زيادة بنسبة عشرة أضعاف عما كان عليه الوضع قبل عشر سنوات. ورغم أن هذه الزيادة في فرض القيود يمكن ربطها في الغالب بالزيادة المطردة في حجم وطبيعة المعلومات المتدفقة عبر الإنترنت، إلا أنها أصبحت تشكل خطاً للمواجهة بين تلك الحكومات وبين الشركات التجارية المعتمدة نشاطاتها على استخدام الإنترنت.
وتأتي الصين ــ وهي السوق الأكبر للإنترنت على مستوى العالم بعدد مستخدمين يصل إلى 420 مليون مستخدم ــ في مقدمة تلك الدول المستهدفة بالمواجهة، حيث تتعرض الحكومة الصينية لضغوط متزايدة للحد من القيود التي تفرضها على المعلومات المتاحة عبر الإنترنت، والتي ستنعكس بشكل مؤثر على قدرة عديد من الشركات على الوصول إلى هذه الشريحة الكبيرة من سوق الإنترنت العالمية.
تقود شركة جوجل العملاقة جهود المواجهة المتصاعدة مع الصين والدول المعنية الأخرى، ومن خلفها ولا شك ما لا يحصى من الشركات التي ترتبط مصالحها بمدى تمكن المؤسسات والأفراد على مستوى العالم من الوصول إلى المعلومات التي يوفرها الإنترنت عن خدماتهم ومنتجاتهم، وفي ظل التوقعات التي تشير إلى أن تجارة الإنترنت العالمية ستبلغ تريليون دولار قريباً، والأرقام التي تشير إلى أن شركة مثل ''جوجل'' قد حققت أكثر من نصف إيراداتها الضخمة عن الربع الأول من العام الحالي من خدماتها خارج الولايات المتحدة، فليس من التوقع أن تتنازل هذه الشركات بسهولة عن حق حماية تدفق المعلومات إلى العملاء الجدد في الأسواق المستهدفة، وستجد الحلول التقنية المناسبة لتحقيق ذلك في حال أخفقت المفاوضات السياسية في الوصول إلى النتائج المرجوة. وفي الصين، على سبيل المثال، أتاحت شركة جوجل للمواطنين الصينيين أخيرا إمكانية الوصول لخدمة البحث في الإنترنت من موقع بديل في هونج كونج لمواجهة إصرار الحكومة الصينية على فرض قيود على الخدمة محلياً.
لن تبذل ''جوجل'' كل هذه الجهود لحماية حقوق الصينيين أو غيرهم في الوصول إلى المعلومات والمعرفة، ولكن شركات كبرى استثمرت وتستثمر على نطاق واسع في تقنية المعلومات والاتصالات لبناء محرك اقتصادي رقمي هائل يمكّنها من الوصول إلى أسواق جديدة على مستوى الدول والمؤسسات وحتى الأفراد، ولن تسمح في الغالب لسياسات الرقابة والمنع في الصين أو في غيرها من دول العالم بتعطيل عمل هذه المحرك الاقتصادي المكلف، وهي تمهد حالياً لمواجهات حاسمة لحماية مصالحها المرتبطة به.
تدرك دول مثل الصين أهمية هذه المواجهة وتقاومها حالياً بالوسائل التقليدية المتاحة لها إلى حين استكمال بناء قدراتها للتعامل معها، فقد أنتجت الصين قبل أيام قليلة أسرع جهاز حاسب آلي في العالم، وهو مؤشر له مدلول عميق لما يدور بخلد الصين.
نحن ليس الصين.. ولكن لن يتم استثناؤنا بكل تأكيد.. فماذا يدور في خلدنا؟
