الثلاثاء, 27 أكتوبر 2026|15 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

بعد أن أتم حجاج بيت الله الحرام مناسكهم، وفي الحفل السنوي الذي يقيمه خادم الحرمين الشريفين كل عام في هذه المناسبة أعلن الأمير نايف بن عبد العزيز، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، أنه تم رصد مبلغ 22 مليار ريال لمشاريع سيتم تنفيذها في مكة المكرمة، للفترة من ست إلى ثماني سنوات قادمة، لتكون هذه المدينة المقدسة بمستوى يليق بها ويليق بالقادمين إليها حجاجا ومعتمرين، وهذه تكلفة تقديرية أولية لمشاريع تطوير المشاعر المقدسة. وإذا أضفنا هذا الرقم إلى تلك الأرقام، التي سبق رصدها لجسر الجمرات وقطار المشاعر وقطار الحرمين، إضافة إلى ما تم اعتماده لتطوير مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة فإننا نقف على أعتاب الـ50 مليار ريال، وهي تكلفة يسيرة إذا قورنت بالاهتمام البالغ الذي توليه حكومة خادم الحرمين الشريفين للأماكن المقدسة، وخدماتها، وما تتطلبه من مشاريع تسابق الزمن نحو الأفضل دائما.

إن أمام مكة المكرمة قفزة حضارية، ونهضة عمرانية ستغير كثيرا من المعالم التقليدية، التي ألفها الناس عن العاصمة المقدسة، ولعل من يزور هذه المدينة التي احتضنت دعوة الإسلام فكانت أول بقعة تتلقى وحي السماء وقبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، ودعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام بالحج إلى مشاعرها المقدسة فإنه يقف على مشاريع ضخمة بدأت بإزالة مساحات واسعة من الجبال الضخمة، لتجد لها أرضا ومكانا في جنبات هذه المدينة الواعدة باحتضان مشاريع استثمارية عملاقة ستكون للدولة اليد الأولى في وضع لبناتها، وتأسيس قواعدها، التي توفر مزيدا من الخدمات، وتفتح آفاق العمل والاستثمار لأبناء المملكة، ولرجال الأعمال فيها ممن عرفوا طبيعة الاحتياج الخدمي للحجاج والمعتمرين والقاصدين للبيت العتيق في جميع أيام السنة، وعلى الأخص في مواسمها المعتادة.

وإذا تصورنا القيمة المضافة لاقتصادنا الوطني نتيجة ضخ مبلغ 22 مليار ريال في مدة أقصاها ثماني سنوات في مكة المكرمة فإن العائد على الناتج المحلي سيكون توفير فرص عمل جديدة، وتحريك أسواق الخدمات في قطاع النقل والفنادق والاتصالات، وتحسين فرص تسويق العقار، وتشجيع رجال الأعمال على المبادرة بإنشاء شركات استثمارية أو الدخول في تحالفات تجارية تعزز القدرة على التواجد في سوق خدمات الحج والعمرة، وإن أي نهضة عمرانية تبدأ بالإنفاق الحكومي الموجه لدفة الاقتصاد، بل إنه أحد الحلول العملية لتحريك الأسواق الراكدة، خصوصا عندما يكون ذلك الاستثمار الحكومي على شكل تطوير البنية التحتية، وتعزيز فرص التجارة للقطاع الخاص، وإحداث تنمية اقتصادية مدعومة بتوجه قوي يمثل استراتيجية واضحة المعالم لعقد كامل من الزمن.

لقد كان حجم الإنجازات في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة عملاقا، وتمت مواجهة كل العقبات بتبني مشاريع ضخمة أدت دورها، ولا تزال تؤديه، ولكن هناك تزايد في أعداد الحجاج كل عام سواء من الداخل أو الخارج، وهذا يلقي بعبء ثقيل على الأجهزة الحكومية، ورغم أهمية الجانب التنظيمي إلا أن تثبيت عدد الحجاج بحسب الطاقة الاستيعابية غير ممكن من ناحية، وغير عملي أمام الدور الذي تشعر به الدولة، وتصنفه من أولى الأولويات الدينية والإدارية لأجهزتها، فهي القيمة على الركن الخامس من أركان الإسلام، ولم تطلب يوما المساعدة في أداء واجبها، وهي اليوم تخصص جزءا من ميزانيتها لدعم الخدمات في مكة المكرمة والمشاعر، وتحث القطاع الخاص على القيام بدوره في تسهيل أداء الفريضة، والارتقاء بمستوى خدماته والتزامه إلى المستوى اللائق والمشرف.

ومن المتوقع أن تبادر الوزارات والأجهزة الحكومية المعنية بالمشاريع القادمة إلى إعلانها، وتوضيح طبيعتها، وتسليمها للشركات المنفذة، وسيكون للقطاع الخاص دور كبير في ذلك، خصوصا أنه سيحقق عوائد مباشرة من تنفيذ تلك المشاريع وتشغيلها، فضلا عن التهيؤ لاستقبال مزيد من الحجاج والمعتمرين، وزيادة الطاقة التشغيلية والاستيعابية للفنادق، والأسواق، ووسائل النقل والمواصلات، وهي فرصة للقطاع الخاص الخدمي، ليعيد ترتيب قدراته، ليكون في المكان المناسب والزمان المناسب أيضا.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية