الخميس, 29 أكتوبر 2026|17 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تقضي الحكمة التقليدية أن تتبع التجارة العلم (تروج المستعمرات لتجارة البلد الأم). وتاريخ القوى الاستعمارية الأوروبية التي كانت تشن غارات على الأراضي غير المستكشفة لاستغلالها بشكل أكبر ''وتحسين'' سكانها الأصليين بالأفكار الغربية هو مثال واضح على هذا المبدأ القديم الذي كان مقترناً أحياناً بسياسة فرّق تسد. إلا أن التجسيد الحالي لأكبر الإنجازات الأوروبية، أي الاتحاد الأوروبي، قد يكون مثالاً حميداً على الماضي الاستعماري.

لقد كانت التجارة أول مظهر من مظاهر الوجود الأوروبي في آسيا الوسطى. ولا شك أن أوروبا أصبحت نقطة جذب قوية لمختلف الشعوب والثقافات. وحاول الكثيرون اتباع مسارها عن طريق الإعلان عن خططهم الاندماجية أو تجريد أنفسهم من الحقوق السيادية للإعلان عن هيئة عليا فوق وطنية تملك سلطة واسعة. وقوة الجذب الأيدولوجية التي يمارسها الاتحاد الأوروبي، ذروة التكامل الأوروبي الجاري، قوية بجدارة. ولكن من غير الواضح سبب كون هذا العرض من القوة الناعمة ليس له أثر يذكر على بعض المناطق التي تمارس فيها. باختصار، ما سبب ضعف نفوذ الاتحاد الأوروبي مثلا في آسيا الوسطى، حيث من المفترض أن يكون سحره قوياً ودائماً كما في مناطق أخرى؟

ربما تكون الإجابة، إن وجدت، في اتجاه مختلف. والاتجاه العالمي الذي يشير إليه الكثير من الخبراء بحذر هو أن الاتحاد الأوروبي بدأ يفقد نفوذه في جميع أنحاء العالم، وآسيا الوسطى ليست استثناء من ذلك. وعلى العكس، فإن هذه المنطقة بعينها هي أوضح دليل على هذا الاتجاه. ففي آسيا الوسطى التي تحررت أخيراً من الهيمنة السوفياتية، والمنقسمة بشكل صارم على طول الخطوط العرقية واللغوية والعشائرية، كان لا بد من تحقيق النجاح من خلال سياسة القوة والحوار النشط، وليس عن طريق إلقاء خطابات وعظية غير واقعية عن القضايا المصيرية مثل سبل العيش. وهذا أضعف جزءا من السياسة الخارجية الأوروبية.

خذ كازاخستان مثلا. لقد كان الاتحاد الأوروبي أول شريك تجاري ومستثمر أجنبي لهذه الدولة. ولا يزال يحتفظ بإطار ضيق من الاتصالات الثنائية المنصوص عليها في اتفاقية التعاون والشراكة عام 1999، والتي على وشك أن تنتهي وبحاجة إلى إعادة التفاوض بشأنها. وعلى الرغم من المحاولات العديدة باسم وزارة الخارجية الكازاخستانية لتسريع عملية التفاوض للتوصل إلى اتفاقية جديدة أوسع تطبيقا بكثير، إلا أن العملية بأكملها لا تزال بعيدة كل البعد عن الانتهاء.

وفي الوقت نفسه، أصبحت كازاخستان عضواً كامل العضوية في الاتحاد الجمركي، الذي يشمل روسيا وبيلاروس، وتتودد إليه الصين. واستغرق الأمر أكثر من نصف عام بقليل لتسوية المشاورات الثنائية مع روسيا التي تمتد بصورة غير متصورة في السوق الداخلية لكازاخستان. إضافة إلى ذلك، ربطت روسيا كازاخستان بإحكام إلى عربتها عن طريق تشجيع فكرة الانضمام الموازي لمنظمة التجارة العالمية. وفي غضون ذلك، قدمت الصين لكازاخستان، في أعقاب الأزمة المالية، قرضاً بقيمة عشرة مليارات دولار أمريكي لإنقاذ بنوكها المتعثرة وقطاع الإنشاءات المتداعي فيها.

وخلافاً لمنافسيه الجغرافيين السياسيين الرئيسيين، شرع الاتحاد الأوروبي في اجتماعات متعلقة بحقوق الإنسان وبتلقي رسائل من الصحافيين المشتكين والمبلغين عن الأخطاء من الأفراد الذين يستنكرون انعدام الشفافية في حكومة كازاخستان ومستويات الفساد المرتفعة جدا. وهو يقوم بمهمة جيدة في مجال الترويج لحقوق الإنسان، حيث يخصص ملايين اليورو لتمويل مشاريع التوعية وحقوق المرأة ويهتم كذلك بوضوحها. وفي الوقت ذاته، التزم الاتحاد الأوروبي الصمت حين لم تسمح كازاخستان، بعد مضي أكثر من عام ونصف على رئاستها الحالية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، لناشطين تركمان في مجال حقوق الإنسان من المشاركة في اجتماع استعراض عمل مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان في وارسو.

إن النهج الجامد الذي يقتصر على التجارة والقائم على أساس تجنب المساومات الصعبة والمتصلبة لا يسمح للاتحاد الأوروبي أن يكون ضمن اللاعبين الرئيسيين في لعبة السياسة الكبرى التي يتم لعبها في آسيا الوسطى وكازاخستان. إنه فقط مجرد أحد اللاعبين الصغار. لذا ينبغي ألا يكون سبب تخلف الاتحاد الأوروبي وراء منافسيه مستغرباً. ومن المرجح أن تنتج هيئة العمل الخارجي الأوروبية، التي شرعت بالتنفيذ التدريجي لمعاهدة لشبونة، التي دخلت حيز التنفيذ منذ غرة كانون الأول (ديسمبر) 2009، بعض التغيير الملموس في موقف أوروبا تجاه هذه المنطقة من العالم. ومن غير المؤكد فيما إذا كان هذا التغيير سيستمر. فحيث تتبع التجارة العلم، يريد الاتحاد الأوروبي أن يأتي العلم بعد التجارة. وبدلا من بذل الجهد للحصول على قطعة من الكيكة الإقليمية لنفسه، يتوقع الاتحاد الأوروبي أن يقوم القادة المحليون بهذه الكعكة من تلقاء أنفسهم دون أن يخبروهم عن حجم القطعة التي يريدونها أو فيما إذا كانوا يحبون أن تكون مشبعة بالكريمة.

ويكفي النظر إلى إنجازات منظمة أوروبية واحدة - منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لفهم ما يفتقر إليه الاتحاد الأوروبي. لقد كان لدى منظمة شنغهاي للتعاون، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي بل وحتى الناتو، بعض الوصفات الجاهزة الواضحة لتجربتها وبعض أوراق المساومة لتقديمها. ولم يكن لدى الاتحاد الأوروبي شيء من هذا النوع، وبدلا من ذلك، فإنه ينتهج أسلوب ''أرجوك أن تسمح لي بالدخول'' الذي يلقى آذانا غير صاغية من المستبدين الإقليميين.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: OpinionAsia

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية