الخميس, 29 أكتوبر 2026|17 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

إن تحقيق الانسجام والمواءمة يشكل واحداً من الأعمدة التي تقوم عليها سوق الاتحاد الأوروبي المشتركة. وللوهلة الأولى سنجد أن هذا أمر منطقي إلى حد كبير. ذلك أن أنظمة الحكم المنسجمة من شأنها أن تيسر عملية انتقال رؤوس الأموال والعمالة في البحث عن أفضل استخدام لها.

ولكن من المؤسف أن بعض الحماسة التي يتسم بها مؤيدو أوروبا كثيراً ما تمتد إلى ما هو أبعد من حدود المنطق الاقتصادي. ذلك أن المزيد من التوحيد والمواءمة لا يؤدي بالضرورة إلى حلول فعّالة ــ أو حتى معقولة ــ للمشكلات التي يواجهها الاتحاد الأوروبي.

إن النقطة الرئيسة الخاضعة للدراسة في إطار التدابير التنظيمية الأوروبية (بعيداً عما أطلق عليه ''القواعد الجديدة لبازل ثلاثة'') تتلخص في جلب المزيد من الاستقرار للنظام المالي. وسيتلخص التأثير غير المباشر في الحد من حجم القطاع المالي ـ على المستوى المطلق ونسبة إلى الاقتصاد ـ وعرقلة نموه في المستقبل.

بيد أن هذه التأثيرات ستحدث أيضاً في بلدان الاتحاد الأوروبي التي حافظت قطاعاتها المالية على درجة عالية من الاستقرار في الأزمة الحالية. وسيصبح تسليم الخدمات المالية أكثر صعوبة وأعظم تكلفة في كل مكان، حتى على الرغم من أن بنوك بعض هذه البلدان تحصل على ما يلزمها من تمويل بالاستعانة بودائع طويلة الأجل وليس قروضاً قصيرة الأجل بين البنوك، حيث تعمل الودائع المحلية على تغطية العدد القليل من الأصول السامة والقروض المحلية بسهولة.

ولهذا السبب على وجه التحديد نسمع العديد من الأصوات المعارضة لفكرة فرض رسم أو ضريبة منسقة على البنوك على مستوى الاتحاد الأوروبي بالكامل. وهذه الضريبة المدعومة بقوة من قِبَل البلدان التي أصبحت قطاعاتها المالية في حالة يرثى لها بعد الأزمة، من الصعب أن تتقبلها بلدان الاتحاد الأوروبي التي لم تتدخل حتى لإنقاذ بنوكها.

كما تشكل هذه الضريبة وسيلة سهلة لنشر التكاليف السياسية والمالية المترتبة على الأزمة من بعض بلدان الاتحاد الأوروبي إلى جميع بلدانه. وإذا تم فرضها بالفعل فإن رؤوس أموال البنوك ستصبح أكثر نُدرة، وسيكون تدفق الائتمان أبطأ، وستكون الرسوم المصرفية أعلى في البلدان التي تتمتع بقطاعات مالية مستقرة إلى حد كبير، وذلك ببساطة لأن بلدانا أخرى أنفقت ثروات هائلة من أجل دعم أنظمتها المالية ـ ولأن المفوضية الأوروبية لا تفوت الفرصة أبداً لتوحيد القواعد في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي.

ويصدق القول نفسه، على سبيل المثال، على نظام تداول المشتقات المالية. والواقع أن الحماس للمواءمة وتحقيق الانسجام في مرحلة ما بعد الأزمة في هذا المجال يعني أن الأمر سيكون الآن أكثر كلفة في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبية من أن يسمح بتوفير الضمان ضد تقلبات العملة أو التغيرات غير المتوقعة في أسعار الفائدة. ولكن مثل هذه المواءمة لن تكون ضرورية أو مبررة في بلدان الاتحاد الأوروبي كافة.

ومن المرجح أن نشهد أيضاً، وفي وقت قريب، نظاماً موحداً متوائماً ومفروضاً من قِبَل نظام أعلى لتنظيم دفعات اليورو، سواء كان ذلك بين البلدان أو داخل البلدان. والواقع أن المفوضية الأوروبية تدرك أنه من المثير للشكوك أن تحرض كل دولة الآن على أن يكون لها نظام مستقل، وأن يتم استخدام هذه الأنظمة الوطنية بواسطة المزيد من العملاء ومن أجل قدر أعظم من الصفقات مقارنة بأنظمة الدفع في منطقة أقساط اليورو الموحدة المتوائمة.

والمفارقة هنا أن المشاركة من قِبَل البنوك الخاصة في منطقة أقساط اليورو الموحدة المتوائمة، في مستهل الأمر، كانت تطوعية تماما. ولكن العديد من الأنظمة المالية كانت تتطور لسنوات عديدة. وكان الملايين من العملاء معتمدين عليها طواعية في سداد أقساط الدين والائتمان، ولم يجدوا ببساطة أي سبب للتحول إلى نظام منطقة أقساط اليورو الموحدة المتوائمة، بما تنطوي عليه من رموز واختصارات مختلفة.

وهذا هو النظام الذي تريد المفوضية الأوروبية أن تصفه للاتحاد بالكامل، في حين تفرض حظراً على كافة المنتجات غير المتوافقة مع نظام منطقة أقساط اليورو الموحدة المتوائمة. وسيضطر العملاء إلى تغيير أنظمة سداد أقساط ديونهم وعاداتهم لمجرد أن المواءمة تحول إلى غاية في حد ذاتها بالنسبة لكثيرين في الاتحاد الأوروبي. وهناك قاعدة بسيطة لا بد أن تطبق بأعظم قدر من الدقة في هذه المنطقة الحساسة، كما هي الحال في أي مكان آخر: إن لم يكن الشيء مكسوراً فلا ضرورة لإصلاحه.

وكانت تدابير المواءمة المثيرة للشكوك هذه جارية أيضاً في مجال آخر: أداء الاقتصاد الكلي. فعلى مدى الأعوام العشرة الماضية شهدنا كيف تلاشى ميثاق الاستقرار والنمو (الذي تعهدت بلدان الاتحاد الأوروبي بمقتضاه بالحفاظ على الدين العام والعجز عند مستويات منخفضة) في جو ضبابي من التساهل. وأخيرا بدا الأمر وكأن الاتحاد الأوروبي أدرك أخيراً أن أي ميثاق ـ بصرف النظر عن القدر الذي قد تحظى به أغراضه من المديح والثناء ـ لا يكفي لضمان السياسات المالية السليمة، وذلك في ظل غياب الإرادة السياسية.

ولكن المؤسسات الأوروبية الآن لا تسعى إلى إصلاح الميثاق فحسب، بل إنها تبحث أيضاً عن سبل جديدة لتوسيع نطاقه، الأمر الذي من شأنه أن يجعل من الممكن معاقبة بلدان الاتحاد الأوروبي على ''الاختلال في توازن الاقتصاد الكلي''. وما علينا إلا أن نتأمل بعض المقترحات التي تقدم بها فريق العمل الذي شكله رئيس الاتحاد الأوروبي هيرمان فان رومبوي والمعني بالحوكمة الاقتصادية. فعلى سبيل المثال، إذا مرت إحدى الدول الأعضاء الأكثر فقراً لفترة من التقارب الحقيقي وكانت تعاني عجزا مؤقتا في الحساب الجاري ـ كما هو معتاد في مثل هذه الحالات ـ فقد تعاقب لأنها لم تكن ''متوائمة'' بالقدر الكافي.

وينطبق الأمر نفسه على أي دولة تمر بفترة من النمو القوي للإنتاجية، لأنها أصلحت سوق العمل لديها أو لأنها أبقت الأجور الحقيقية عند مستوى منخفض وتحتفظ بفائض في الحساب الجاري. وعلى هذا فإن فرط الإبداع أو القدرة على المنافسة أو المرونة أو النمو أو التصدير قد يتحول إلى ''مشكلة'' في ظل منطقة المواءمة المنحرف هذا. هل تنصتون بعناية إلى هذه الأصوات إذن أيها الألمان؟ ألا تشعرون بالخوف؟

إن الحياة الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي تشتمل على عديد من المجالات، حيث قد تكون المواءمة مفيدة. ولكن ليس كل جانب من جوانب التنظيم المالي وأداء الاقتصاد الكلي ينتمي بالضرورة إلى هذه الفئة. ونحن نمتدح المنافسة وليس الاحتكارات في الحياة الاقتصادية. والمنافسة في القواعد التي تحكم الحياة الاقتصادية أيضاً قد تخدم مصالحنا على نحو أفضل.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية