أياً كانت النتائج، وأياً كانت الأسباب، لا يمكن أن نُبرئ مجموعة الثماني (الكبار أو الذين كانوا كباراً)، من إطلاق سياسة المحاور والاستقطاب. أين؟ داخل مجموعة العشرين، التي يُفترض أن تكون المُخلِص الوحيد للعالم، من آثار وتبعات الأزمة الاقتصادية العالمية، والمُشرِع الأقوى للنظام الاقتصادي العالمي الجديد المزمع، الذي من دونه، سيكون العالم في نطاق تهديد أزمة كبرى جديدة، ربما تكون الأزمة الحالية مجرد سحابة صيف! وأيضاً لا يمكن أن نعفي الصين ــ مثلاً ــ من الآثار السلبية التي تتركها على بعض الاقتصادات الكبرى، من جراء سياسة خفض عملتها. الطرفان يستحقان اللوم، ولكن بدرجات متفاوتة. ولو أخضعنا قضية تخفيض العملات ـــ التي ستؤدي بالضرورة إذا ما استفحلت إلى ''حرب عملات'' ـــ إلى معايير وسلوكيات الكبار، فإن ''كبار'' مجموعة الثماني، سيتصدرون ''قائمة اللوم'' ففي الأزمات ـــ ولا سيما الكبيرة منها ـــ لا بد من الارتكاز إلى حكمة الكبار، للتوصل إلى أفضل صيغة ممكنة للحلول. لكن في الواقع، لا أثر لهذه الحكمة في الساحة العالمية، الأمر الذي يعزز حقيقة أن الأزمة الكبرى لم تُفقد الكبار بعضاً من آليات قوتهم فحسب، بل أفقدتهم صوابهم أيضاً! على ماذا ستسفر هذه الحالة؟ ستسفر بالضرورة عن مجموعة من الحروب، هي على الشكل التالي: ''حرب العملات'' و''حرب التصدير'' و''حرب الحمائية''! وكأن العالم فرغ من حربه على الأزمة الاقتصادية العالمية!
وعلى الرغم من خطورة تخفيض قيمة العملات، على بعض الاقتصادات الكبرى، إلا أنه ـــ في الزمن الراهن ـــ تظل أقل خطوة إلى حد بعيد، من المصائب التي تركتها الأزمة على الساحة الدولية. ولأن الأمر كذلك، فقد بدا الكبار يركزون على الصغائر، ولا يهتمون بهيبة مجموعة العشرين، التي أخذت زمام المبادرة في أعقاب الأزمة المولودة عند الكبار لا الصغار فسياسة المحاور ـــ في هذه المجموعة بالذات ـــ تعني تشتيت الجهود الرامية لتأسيس نظام اقتصادي عالمي جديد، يحل مكان نظام وَلَد الأزمة تلو الأخرى على مدى سبعة عقود من الزمن. من حق الكبار حماية أنفسهم، ولكن من حق العالم عليهم أن يكونوا بقدر هاماتهم. أن يعملوا وفق سياسة الاحتواء.. لا المحاور. ولأن المشهد بهذه الصورة المريعة، فإنهم يُفرغون قمة مجموعة العشرين في كوريا الجنوبية من محتواها. وإذا ما استمر المشهد بصورته نفسها، فإنهم سيفرغون القمم المقبلة لهذه المجموعة من قيمتها، وسيتركون العالم يلهو بقضية هامشية ـــ رغم أهميتها ـــ بينما لا تزال الأزمة العالمية تلعب بالعالم في كل شيء وفي كل الأمكنة!
ما ذنب العالم في الحرب القديمة – الجديدة (على سبيل المثال) بين الولايات المتحدة والصين، لأن قيمة عملة هذه الأخيرة تتسبب في العجز التجاري الأمريكي الكبير؟! ما ذنب العالم في رفض بعض الدول المُصدرة التعهد بالحد من فائض حساباتها الجارية؟! إنها قضايا فردية ـــ ثنائية، ينبغي أن تُحل دون المس بالخطوات والجهود الرامية لإنقاذ العالم من محنته الاقتصادية الكبرى فالتحركات أو المصادمات الفردية والثنائية، التي كانت تنفع الأطراف المعنية قبل الأزمة، باتت تشكل أزمة في حد ذاتها، في وقت يحتاج فيه العالم إلى تعاون وتعامل شاملين! ولكن هل يعي الكبار هذه المسألة؟ أغلب الظن أنهم لا يريدون أن يعوها، لأن اعتباراتهم السياسية – المحلية، تقدمت على كل الاعتبارات. وهذا في الواقع ليس من حقهم، في هذا الوقت بالذات، وليس من حقهم أيضاً ككبار احتكروا في السابق القرار الاقتصادي والسياسي العالمي، وارتضوا في الوقت الراهن بالمشاركة في صنع هذا القرار. وإلا ليتركوا الساحة لغيرهم، فربما حظي العالم بحكماء جدد يعتمدون آليات تنقذ هذا العالم، لا أدوات تزيد همومه هماَ.
