الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة قالت كلمتها ـــ المعروفة سلفا ـــ بأعلى صوت في سيطرة الجمهوريين على مجلسي النواب والشيوخ، في إشارة إلى أن أداء حكومة الرئيس أوباما لم يفلح في كسب الرأي العام الأمريكي بعد مرور عامين فقط على وجود أوباما على سدة البيت الأبيض، وبما يعني تضاؤل إمكانية تجديد رئاسته لفترة ثانية.
الناخب الأمريكي لم يلتفت إلى أي إمكانات أو مهارات ذاتية للرئيس أوباما مهما كان لها من تثمين وتقدير برزا على نحو لافت أثناء سباقه للبيت الأبيض أمام منافسيه من الجمهوريين وحزبه الديمقراطي، فقد منحه الجيل الشاب والأقليات والحانقون على الحصاد المر لسياسة جورج دبليو بوش وأركان إدارته من اليمين المتطرف الجديد.. ما أهله لفوز ساحق ألهب الأكف تصفيقا عند التتويج وأدمع عيون كثيرين، كان أبرزهم القس جيسي جاكسون.
غير أن الغشاوة العاطفية انقشعت مع مرور الأشهر الأولى من رئاسته ووقوفه عاجزا عن إصلاح الاقتصاد الأمريكي عقب عنفوان الأزمة التي ولدت عام 2008، وظل مستوى المعيشة وفقدان الناس وظائفهم ومنازلهم ونسيانهم في العراء دون تحسن يذكر؛ ما فاقم انحسار التأييد له وراكم خيبة الأمل فيه، فمارس الناخب الأمريكي منطقه العتيد في الحكم على السيد الرئيس، انطلاقا من ''الجيب'' واتساقا مع طبيعته أيضا في ''قصر النفس''، إذ إن الناخب الأمريكي غير مكترث بما يسوّف له من وعود وما يقال له عن خطط واستراتيجيات إذا لم يتحقق في واقعهم الراهن ما يؤيدها ويدعمها في ''جيبه''، بمعنى تحسن الوضع الاقتصادي بكل ما يعنيه من مستوى معيشة وفرص عمل.
نحن في العالم الثالث، ظللنا لسنوات وعقود، نعلق أهمية على موقف الناخب الأمريكي في أداء حكومته على مستوى علاقاتها الخارجية ونحسب نجاحها وفشلها مؤثرا إلى حد كبير، حتى أسهمت الفضائيات في تبديد هذا الانطباع وبات واضحا أن ما تقوم به حكومته على مستوى العالم لا يمثل إلا نسبة متدنية في تقييمه لجدارتها أو عدم جدارتها، مهما بدا من مظالم وبشاعات ترتكبها دولته في هذا البلد أو ذاك بعيدا بعيدا خلف الأطلسي، ومهما سمعنا أو قرأنا أو شاهدنا عن احتجاجات ضدها في وسائل الإعلام مباشرة، أو نقلا عما يجري في شوارع أمريكا في هذه الولاية أو تلك.
المفارقة الثانية، حجم الحماس لباراك أوباما والتعويل عليه في مساندة قضايانا العربية وبما يشبه القناعة بأنه بالتأكيد سيكون أفضل من سابقيه مع أنه ثبت رضوخه لحكومة نتنياهو.. فيما يقابل هذه القناعة في الداخل الأمريكي وعلى المستوى الدولي أيضا موقف يميل إلى أنه ليس بتلك القوة وذلك الدهاء اللذين شاء أن يوحي بهما في خطبه، فداخليا رضخ لمطالب المؤسسات والمصارف المالية التي صنعت الأزمة وتسببت فيها، كما رضخ لمطالب الشركات الكبرى فكان الدعم لها فيما اعتبر المزاج العام هذا العلاج مكافأة لصانعيها، أما دوليا فلعل في الموقف الأوروبي حول طريقة التصدي للأزمة بعدم ضخ الأموال وإنما بالتقشف معلما بارزا يضاف إلى حراجة الموقف مع الصين اقتصاديا.
هكذا يقف الرئيس باراك أوباما اليوم بعد الانتخابات النصفية التي أعلن بنفسه مسؤوليته عما تكبده الديمقراطيون فيها من خسارة، علاوة على فشل إدارته للحرب على الإرهاب في أفغانستان وباكستان وموت عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل بصلف التعنت الإسرائيلي إلى جانب استمرار اعتلال الاقتصاد الأمريكي وتحديات الاقتصاد الآسيوي الناهض.. نقول هكذا يقف أوباما في وضع لا يحسد عليه، فطموحه للفوز بفترة ثانية للبقاء في البيت الأبيض صار محفوفا بشكوك عميقة أودى بها في الأساس، صوت الناخب الأمريكي، فيما تلعب السياسة الخارجية دورها في قفل الدائرة.. خصوصا وقد عبرت الصحف الإسرائيلية عن فرح بنتائج الانتخابات النصفية يشبه التشفي بكل ما يعنيه ذلك؛ كونه يأتي من دولة حليفة استراتيجيا لأمريكا.. فهل فعلا انطفأ وهج السيد أوباما وأن ما تنتظره هو فقط سنتان من المتاعب وتصفيات الحساب؟ أم لدى هذا الأمريكي الكيني الأسمر سهام لم يصوبها بعد؟
