حسنا تفعل وزارة التجارة والصناعة بإطلاق مؤشر الأضاحي على أبواب الموسم، وحسنا أيضا تفعل في إعادة النظر في مؤشر السلع الاستهلاكية وتطويره من حيث الشكل والمضمون، وبحيث يكون يوميا بدلا عن المؤشر الأسبوعي، وليخدم المؤشران 27 مدينة ومحافظة.
الشيء الأكيد أن الجمهور القاصد أسواق الماشية من أغنام وأبقار وإبل تختلف معرفتهم وخبرتهم، بأنواعها، وأفضليتها، وسعرها المعقول؛ لذلك يتعرض البعض إلى التغرير والخداع من جراء عدم التمييز بين الأصناف واستحقاقاتها من الأسعار، وبالتالي يتعرضون للغبن سواء في النوع أو في السعر أو فيهما معا.
مؤشر الأضاحي ربما يكون خطوة عملية في تزويد الجمهور بالمعلومات الواضحة حول أنواع الماشية وأسعارها، وهو بالتأكيد لن يحول دون حدوث تجاوزات، غير أنه يؤسس لثقافة جديدة تكرّسها الأيام القادمة، حينما يصبح هذا المؤشر عن الأضاحي معروفا ومتداولا ومبسطا، ويسير القراءة والدلالة، وذلك يتطلب نشاطا توعويا من قِبل وزارة التجارة، عبر وسائل الإعلام، ومن خلال إمارات المناطق، والأسواق التجارية؛ لأن من شأن هذا أن يزوّد الجمهور بحقيقة سوق الماشية كما ونوعا مع التسعيرات الخاصة بها، بحيث لا يقع الجمهور أو بعضه تحت ضغط الخشية من ألا يجد بغيته من الأضاحي فيندفع إلى الهرولة لشراء أضحيته في ظل هذه الخشية التي قد توقعه بمَن يستغله فيبيعه الزهيد بالغالي بالإيحاء له بانتهاز اللحظة، وتدبير نفسه لقلة المعروض مثلا.
وإذا كان مؤشر الأضاحي تجربة جديدة قد لا تؤتي ثمارها المتوخاة إلا بتكرار التجربة بعدما تترسخ ثقافة التعامل معه والاعتماد عليه كمرجع فإنه ينبغي لوزارة التجارة أن تحرص على مصداقيته منذ البداية في التعبير عن واقع السوق. أما بشأن مؤشر السلع الاستهلاكية فإن الأمر مختلف؛ لأن الرحلة التي قطعها هذا المؤشر لم تكن مؤثرة في حجم الاستجابة له من قبل الجمهور، فما زال الناس يتسوّقون في شبه غياب تام لما يقوله هذا المؤشر، بل إن كثيرين لا يعرفون عنه شيئا إلا في خبر عابر في التلفاز أو في الإذاعة أو الجريدة، ما يعني أن مؤشر السلع الاستهلاكية حقيقة موجود فقط لدى وزارة التجارة وغائب عن الحضور في أذهان الجمهور، وطبعا ذلك لسبب خارج عن إرادة الوزارة؛ لأنه يتصل بتقاليد وثقافة التسوق عندنا، غير أن هذه التقاليد والثقافة هي ما ينبغي أن تعمل وزارة التجارة على تغييرها من خلال تعميم الإحساس بأهمية هذا المؤشر وتكثيف حضوره عبر حملات مندوبي الوزارة في خطابها مع العاملين في جميع مواقع التسوّق وتوجيههم ليقوموا بتبليغ المتسوّقين بمحتويات المؤشر، وأن تسعى الوزارة أيضا إلى نشره على نطاق واسع؛ حتى يتحول إلى مرجعية لا يستغني عنها الجمهور وتصبح سلوكا اعتياديا يحل محل التسوّق كيفما اتفق.
وإذا كان الحكم مؤجلا على فاعلية مؤشر الأضاحي؛ لأن ذلك مرهون بمكوناته وشكله وقدرته على النفاذ، فإن مؤشر السلع الاستهلاكية الذي كان يتجدّد أسبوعيا ما زال ـــ كما قلنا ـــ ليس له ذلك الحضور المأمول في ذهنية الجمهور، غير أن التوجه إلى تطويره في الشكل والمضمون وتحويله إلى مؤشر يومي خطوة متقدمة لا بد أن تراعي حصاد الماضي في محدودية تعامل الناس وتفاعلهم معه في نطاقه الأسبوعي والبحث عن الأسباب وراء ذلك، غير ما ذكرناه عن ثقافة وتقاليد التسوّق وغير ضرورة التكريس إعلاميا له على الصُّعد كافة، فقد تكون المعلومات وطريقة العرض التي كان يحملها مؤشر السلع الاستهلاكية أسبوعيا لا تتفقان مع ما يجده الجمهور في الأسواق، فلعل العمل الجاري في وزارة التجارة على تحديثه وتطويره وجعله يوميا فرصة للتمعن في أوجه القصور هذه وإعادة بناء المؤشر على قاعدة بيانات مطابقة لما في الأسواق تماما؛ لكي ينتزع المؤشر مصداقيته ويثق به عموم الجمهور كمرجع لا تناقض بينه وبين ما في الأسواق سلعا وأسعارا.. وإن كنا نتساءل عن مدى نجاحه في الاعتماد فقط على أربعة مراكز تجارية كبرى، وهل سيكون هذا الكم المحدود جدا ممثلا فعليا عما تزخر به سوقنا من مراكز كبرى عديدة، علاوة على البقالات الكبرى والصغيرة؟
إن هذا القاسم المشترك الأصغر لقاعدة المؤشر قد يقدم قراءة نوعية موقوفة على هذه المراكز وشبيهاتها فحسب، فيما هناك الأسواق المفتوحة للفواكه والخضراوات والحوانيت التموينية التي غالبا ما تشكل مقاصد أهل الحي.. فهل هذا الحصر للمراكز سيعمل لمصلحة المؤشر، أم تراه فقط يقدّم قراءة نتيجتها لا تخدم المستهدف تحقيقه من خدمات لسائر الجمهور عن كل السوق؟!
