الاثنين, 26 أكتوبر 2026|14 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

كانت المملكة في أحلك الظروف التي مر بها العراق إبان حرب الخليج الثالثة وما تلاها من تداعيات, تقف إلى جانب العراق متوخية توفير الأمن والسلام لشعبه والحرص على تماسك مكوناته دون تمييز بحياد سديد وغيرة الشقيق على شقيقه. منحت لزعمائه وساسته الفاعلين في معركة إعادة اللحمة لكيانه متماسكا بعد سقوط نظام الطاغية صدام حسين فاستقبلت المملكة اجتماعاتهم ولقاءاتهم, ووفرت لهم كل الإمكانات الداعمة لانطلاق حكومة سيادية له تتولى وضع خطاه بثبات على طريق العودة للعب دوره في منظومة الأمة العربية وعلى المستوى الإقليمي والدولي, فتشكلت أول حكومة شهدت الرياض وجدة نشاط ولادتها, في ظل رعاية سعودية أخوية تركت للشقيق العراقي حرية واستقلال رؤيته في طبيعة هذه الحكومة وأركانها ومقوماتها.

غير أن العراق ظل على مدى السنوات يعاني مصاعب جمة تداخل فيها السجال والتوتر السياسي, مع العنف والإرهاب, إلى جانب وجود قوات غازية محتلة كان لها دورها في التقاطع مع مصالح العراق ورؤية ساسته وأحزابه ومذاهبه وطوائفه, لنوعية الحكم وطريقته التي ينبغي أن تتولى إدارة العراق. ورغم توالي عدة حكومات على مدى السنوات الثماني الماضية إلا أن العراق ظل في قبضة العنف حينا والصراع السياسي دائما, حتى وصل به المآل إلى تعطل إمكانية ولادة حكومة جديدة بعد الانتخابات الأخيرة ومرور ثمانية أشهر, ظل فيها العراق في فراغ دستوي عرضة لأخطار جسيمة جراء عجز زعمائه وساسته وأحزابه وجبهاته عن تشكيل حكومة تخرج العراق من دائرة الخطر التي باتت مفتوحة على تدخلات إقليمية ودولية وأعمال عنف وإرهاب تستهدف ربطه بالتبعية لمصالحها أو إبقاءه في دائرة العنف أو تمزيقه وتقسيمه.

ولأن القيادة السعودية, بحكمة وسداد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز, ظلت طوال تلك السنوات تدفع بدبلوماسيتها في اتجاه الحفاظ على العراق الدولة والشعب وتزيد من زخم الدعم لمسيرة نهوضه من مآزقه الأمنية والسياسية لما لاستقراره من أهمية قصوى له كبلد ولدول الجوار في المنطقة, نظرا لأن الوضع الحالي له بات مقلقا ومأساويا فقد بادر خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى توجيه كلمة لأبناء وبنات شعب العراق العريق الأصيل الحضاري, مناشدا إياهم تحكيم العقل واستنهاض الهمم وتحمل مسؤوليتهم التاريخية والوطنية للحفاظ على المكاسب وحق الأجيال القادمة للعيش بكرامة وعزة .. ثم وجه خادم الحرمين دعوته لفخامة الرئيس جلال طالباني وجميع الأحزاب العراقية التي شاركت في الانتخابات والفعاليات السياسية, للسعي لحل كل معضلة تواجه تشكيل الحكومة التي طال الأخذ والرد فيها .. وذلك بعد موسم الحج وتحت مظلة الجامعة العربية في مدينة الرياض.

أكد خادم الحرمين في كلمته أن هذا اللقاء المزمع في الرياض من أجل أن يتشاور المعنيون العراقيون لتقرير أي طريق نبيل يسلكون وأي جهة كريمة يتجهون, مشيرا إلى أن الجميع يدرك أنهم على مفترق طرق يستدعي السعي لتوحيد الصف والتسامي على الجراح, وإبعاد شبح الخلافات وإطفاء نار الطائفية البغيضة, ذلك لأن وحدة هؤلاء الأشقاء ـ بكلمات خادم الحرمين ـ قوة وسد منيع في وجه الساعين إلى الفتنة .. وقد أبدى ـ حفظه الله ـ استعداد المملكة لمد يد العون والتأييد والمؤازرة لكل ما سوف يتوصل إليه الساسة والزعماء العراقيون في اجتماعهم الذي دعاهم إليه خادم الحرمين في الرياض, مكررا ـ حفظه الله ـ موقف السعودية الحازم في المساندة بالقول: (هذه أيدينا ممدودة لكم ليصافح الوعي راحتيها فنعمل سويا من أجل أمن ووحدة واستقرار أرض وشعب العراق الشقيق). وقد اختتم خادم الحرمين كلمته العابقة بالإخلاص والغيرة على الشقيق بإشهاد الله ـ سبحانه وتعالى ـ على أنه اجتهد سائلا الله التوفيق بالصواب والاستجابة للدعاء.

على هذا النحو المباشر والحار في الصدق تدفقت مشاعر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في كلمات مشحونة بالحس الإنساني على أخوة بلد شقيق هو العراق الذي فتحت له هذه البلاد حميم جوانحها على مدى تاريخه وفي أحلك الظروف التي مر بها, واليوم يعزز قائد هذه البلاد الحرص ذاته على العراق شعبا وأرضا وحضارة بالدعوة لكل الفعاليات السياسية في العراق كي تتحلق في مهمة تاريخية لولادة عراق جديد بعيدا عن المخاطر والأطماع, لصيق بأشقائه العرب ومحيطه الإنساني, وبرعاية فذة من خادم الحرمين تحت مظلة جامعة الدول العربية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية