انتهى الوقت الذي تمثل فيه المطارات مرفقا حكوميا خدميا لعبور المسافرين وشحن البضائع فقط، بل تجاوزت ذلك إلى النظر للمطارات كمرافق جذب استثماري وواحدة من القنوات الاقتصادية لدعم الاقتصاد المحلي والوطني. أصبحت الجامعات ومراكز التدريب والمنظمات المتخصصة في صناعة النقل الجوي تولي أهمية كبيرة لاقتصاديات النقل الجوي، تؤلف فيها الكتب وتعقد الندوات وتعد التقارير والإحصاءات التي تعطي مؤشرات واضحة لهذه التوجهات العالمية في هذه الصناعة. هذه التوجهات العالمية حفزت الدول على البحث عن قنوات وآليات جديدة لتعظيم إيرادات المطارات، وتطورت على أثرها مفاهيم العلاقة التعاقدية بين إدارة المطار والمستثمرين من مفاهيم التأجير المباشر للمرافق كمساحات بالمتر لمن يدفع سعرا أعلى حتى لو كان ذلك على حساب نوعية الخدمة المقدمة للمستفيد إلى مفهوم المشاركة بين إدارة المطار والمستثمر؛ إذ إن المشاركة بين الطرفين سوف تعظم إيرادات المرافق نهاية الأمر وتحافظ على المرفق في حالة تشغيلية جيدة، وتطور نوعية الخدمة المقدمة للمستفيدين. كانت المطارات تركز وحتى بداية الثمانينات الميلادية من القرن الماضي على إيراداتها الملاحية كرسوم العبور والهبوط والإيواء بالدرجة الأولى، ولم تكن إيرادات المرافق التجارية غير الملاحية كمواقف السيارات والمطاعم ومكاتب تأجير السيارات والبنوك تمثل نسبة كبيرة من إيرادات المطار، إلا أنه مع بداية الثمانينات بدأت الدول تتجه إلى جعل المطارات الدولية مراكز جذب استثماري، فجاءت النتائج إيجابية في المطارات التي أخذت بهذا التوجه؛ مما جعل منظمة الطيران المدني الدولية ICAO ومجلس المطارات العالمي ACI تحفز الدول لهذا المنهج، وحققت الدول خفضا في تكلفة تشغيل مطاراتها، بل إن بعض المطارات الدولية أعطت مؤشرات عالية للربحية. هذه التوجهات العالمية للمطارات أشعلت المنافسة بين الدول لتطوير مطاراتها والبحث عن آليات ووسائل جديدة للتكيف مع هذه التوجهات العالمية لاستقطاب المسافرين وشركات الطيران والمستثمرين الجادين. المملكة العربية السعودية ممثلة في الهيئة العامة للطيران المدني لم تكن استثناء من هذا التوجه العالمي انطلاقا من مسئوليتها عن إنشاء إدارة وتشغيل مطارات المملكة كما ورد في تنظيمها الصادر بقرار مجلس الوزراء رقم 33 لعام 1426هـ، ومن الأهداف العامة التي تضمنها قرار مجلس الوزراء الذي قضى بتحويل الطيران المدني إلى هيئة عامة ذات شخصية اعتبارية واستقلال مالي وإداري تدير أعمالها وفق معايير تجارية. فبادرت بالاستعانة ببيوت خبرة عالية متخصصة لوضع الخطط الاستراتيجية وإعداد الدراسات التجارية المقارنة، ومن ثم إعداد المنافسات الاستثمارية المنسجمة مع هذا التوجه وطرحها في منافسات عامة. حرصت الهيئة عند وضع عناصر المنافسات التجارية أن تستفيد من التجارب العالمية الناجحة من خلال مشاركة المستثمر الأجنبي مع مستثمرين سعوديين؛ رغبة من الهيئة في توطين التقنية والمعرفة Know How، والأخذ بأفضل التطبيقات العملية مع التأكيد على تضمين تدريب العنصر البشري الوطني في عقود الاستثمار. كان مجلس إدارة الهيئة برئاسة صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز ـــ حفظه الله ـــ أكبر داعم لهذا التوجه من خلال اعتماده للخطط الاستراتيجية والمشروعات والبرامج التي تعين الهيئة وتقودها نحو هذا المسار الذي ينسجم مع توجهات حكومة خادم الحرمين الشريفين ـــ أيده الله ـــ لهذا المرفق الحيوي خاصة ولصناعة الطيران في المملكة عامة. كان من ضمن المشروعات الاستثمارية التي اعتمدها مجلس إدارة الهيئة وفقا لهذه السياسة الجديدة (منافسة نشاط الدعاية والإعلان في المطارات) مع شركة جي سي ديكو JCDECANX الفرنسية مع شريك وطني شركة ATA ASRPONT KSA التي وقَّع عقدها مع الشركة معالي رئيس الهيئة العامة للطيران المدني بتاريخ 08/11/1431هـ، وهو عقد جدير بإلقاء الضوء عليه؛ لأنه يمثل نقلة نوعية في أسلوب المشاركة التجارية والاستثمارية الأمثل للمرافق العامة والنشاطات المرتبطة بها. وأجزم أنه جديد في مفهومه وآليات طرحه في السوق السعودية. لقد مر العقد بعدة خطوات ودراسات مكثفة ومقارنات مع تجارب في مطارات دولية أخرى، وتحليل موضوعي لعطاءات المتقدمين لمعرفة أهليتهم الفنية وملاتهم المالية، وحتى تُطمئن الهيئة المستثمرين من احترافيه العمل، فقد استعانت في البداية بشركة عالمية CPIL المتخصصة في إعداد الدراسات التجارية بالتعاون مع شركة عالمية CIML المتخصصة في مجال الدراسات الخاصة بنشاط الدعاية والإعلانات بالمطارات الدولية لإعداد كتيب الشروط والمواصفات RFQ لطرح النشاط في منافسة عامة، وكذا إعداد كتيب طلب العروض ليتم بعدها تقييم عروض الشركات المؤهلة وبإشراف مباشر من المتخصصين بالهيئة. تقدم للمنافسة 21 شركة أجنبية ووطنية لمرحلة التأهيل والتي تم من خلالها فحص الأهلية الفنية والمالية للشركات المتقدمة، وتم تأهيل 12 شركة في مرحلة التأهيل. قدمت خمس شركات منها عروض الأسعار حسب شروط المنافسة، بعدها تم تقييم الشركات المتقدمة من قبل لجنة فحص العروض وأعدت تقريرها لتحديد الشركة الفائزة بناءً على عناصر تقييم تم تحديد ووزن لكل عنصر. كانت الشركة الفائزة شركة جي سي ديكو JCDECAUX للقيام بتنفيذ المشروع لمدة عشر سنوات. الشركة غنية عن التعريف فهي من الشركات الرائدة عالميا في مجال الدعاية والإعلان فلها خبرة تزيد على 49 سنة ومتعاقدة مع 146 مطارا في 16 دولة، ولها شراكات تجارية متميزة مع مطارات دولية رائدة، وهي شركة مساهمة ويتم تداول أسهمها في السوق المالية العالمية. العقد الذي أُبرم مع الشركة يُقوم على مبدأ الشراكة التجارية بين الهيئة والمستثمر، وسوف يقوم المستثمر باستثمار مبالغ تطوير النشاط الإعلاني في المطارات وإدخال أساليب ووسائل وآليات عمل جديدة لتطوير هذا النشاط مستخدما وسائل الاتصال المقروءة والمرئية والمسموعة المتاحة، كما سيقوم بتدريب كفاءات وطنية على صناعة الإعلان والدعاية. وبالتالي إحداث فرص وظيفية مصاحبة للمشروع. الإيراد المضمون للهيئة من هذا النشاط في السنة الأولى وحدها 66.6 مليون ريال وعلى مدى السنوات العشر التي تمثل مدة العقد، وسوف تحصل الهيئة كحد أدنى على 973.5 مليون ريال كإيراد، بل إن توقعات الهيئة والشركة المستثمرة أكبر من ذلك في ظل اقتصاد سعودي ينمو بنسب متصاعدة ويمثل الاقتصاد الأكبر في المنطقة، فضلا عن أن سوق الدعاية والإعلان في المملكة تقدر بمليارات الريالات، كما تظهر الإحصائيات ذلك.
هذه الإيرادات المقدرة لا تقارن أبدا بما تحققه الهيئة من إيرادات الإعلانات في المطارات في الوقت الحاضر، بل إنه يمثل في رأيي ورأي كل منصف خطوة في المسار الصحيح للتوجهات المستقبلية للاستخدام الأمثل لمرافق المطارات وتعظيم إيراداتها، كما أتمنى أن تعمم هذه التجربة الاستثمارية الطموحة على أنشطة الدعاية والإعلان من قبل الجهات الحكومية التي لديها مثل هذا النشاط، وأنا واثق أن القائمين على هذه المرافق حريصون على تبني كل جديد يحقق النفع العام.
نائب الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للطيران المدني
