السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

لو عدنا إلى الوراء عقدا من الزمن لوجدنا أن نشاط التأمين كان ميدانا خصبا لكل مَن يريد تقديم رؤيته الخاصة ويصوغها في فكرة ضيقة تخدم مصلحته أو مصلحة وكيل التأمين الذي يعمل لحسابه، حتى بدا للعملاء أن التأمين منه ما هو حرام ومنه ما هو حلال لا شبهة فيه، وهكذا كان الباب مفتوحا لتسويق شعارات أكثر منه تسويق خدمات، وتم استغلال ذلك الفراغ التنظيمي حتى استعادة سيطرة الجهات الرسمية على نشاط التأمين وفرض الإشراف والرقابة عليه من مؤسسة النقد ووزارة التجارة وتصفية المكاتب والوكلاء وغيرهم ممن عزفوا طويلا على الغطاء الشرعي لما يقدمونه من خدمات تأمين إسلامي دون مضمون يحمي حقوق العملاء أو يعترف حتى بحقهم في المطالبة بالتعويض.

لقد أصبح جميع شركات التأمين في المملكة يأخذ شكل الشركة المساهمة، وهي جميعها مدرجة ضمن الشركات التي يتم تداول أسهمها في سوق الأوراق المالية السعودية، وكان هذا التنظيم نتيجة جهد كبير قامت به الجهات الإشرافية وقبلها الجهات التنظيمية حتى أصبح لدينا بالفعل سوق تأمين وقطاع تأمين متكاملان، وأصبحت الصورة واضحة للعملاء والمستثمرين والمساهمين، وبهذا تم تجاوز المرحلة الضبابية التي ساد فيها نقاش فلسفي لا يخدم سوى الراغبين في ترك الحبل على الغارب لكل مَن اقتحم هذا النشاط التجاري البالغ الحساسية، مستفيدا من ديمومة النقاش حول التأمين التعاوني والتأمين التجاري وأيهما الجائز وأيهما الممنوع.

إن أكبر عقبة واجهت نشاط التأمين في المملكة كانت الموقف الشرعي منه، تم حسم هذه المسألة باعتبار التأمين التعاوني صورة مقبولة ونموذجا تم المرور به من خلال أول شركة تأمين في المملكة، التي اكتسبت اسمها منه ومارسته وقدّمته رغم ما يراه البعض من المتخصصين في فقه المعاملات الإسلامي من انعدام الفرق الجوهري الكبير بين التأمين التعاوني والتأمين التجاري الذي يمكن معه اعتبار أحدهما جائزا والآخر مرفوضا؛ لأن الفكرة واحدة والحقوق والالتزامات متماثلة وصيغ العقود متشابهة إلى حد كبير جدا.

وإذا كان هناك عجز عن تقديم نموذج للتأمين الإسلامي المختلف كليا عن التأمين التقليدي الحديث المطبق في جميع دول العالم، فإن ذلك لا يبيح توجيه سهام النقد للتأمين على وجه العموم، فالمطلوب أولا إيجاد شركات ملتزمة بما تصدره من وثائق للتأمين ولها تنظيم على شكل شركة سعودية أو أجنبية مرخص لها بالعمل في المملكة وتحت إشراف الجهات الرسمية ولها مصداقية تجعلها شريكا في السوق ومقدما للخدمة، وثانيا البحث عن أية صيغ شرعية قابلة للتطبيق بما يحفظ الحقوق ويجعل من التأمين نشاطا داعما للتجارة الداخلية والخارجية ويمكن الاعتماد عليه، وثالثا ضمان وسيلة التقاضي التي تنصف الشركات والعملاء وجميع الأطراف في حال وجود نزاع حول المطالبات المالية لأي طرف.

إن الخطوات الإيجابية هي تلك الخطوات التي تكون للأمام وليس للوراء، فالبحث عن عقود تأمين مصدرها قواعد الفقه الإسلامي طريق لم يغلق ولن يتم إغلاقه، بل هو ميدان للدراسة الأكاديمية المتخصصة التي يمكن تطبيقها متى كان ذلك ممكنا؛ فالتأمين استثمار وليس تبرعا ولو أراد التاجر أو المستثمر أو المساهم أن يتبرع لوجد طرقا أخرى؛ لذا فإن فرض فكرة عدم الربحية في نشاط التأمين هي بمنزلة وضع العربة أمام الحصان؛ ما يؤدي إلى مصادرة الفكرة من أساسها ويحكم عليها بالفشل المسبق.

لقد قطع نشاط التأمين في المملكة شوطا كبيرا وناله التنظيم الحديث وخرج منه العابثون بطبيعة عقد التأمين، وفي ذلك خطوة إلى الأمام، ويجب أن تتلوها خطوات في تحسين آلية التقاضي وفرض إلزامية التأمين على المركبات وفي التغطية الطبية للأفراد والأسر مع ضرورة تقديمه بأسعار معتدلة؛ حتى يمكن تسويقه وكسب المزيد من العملاء.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية