السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

يمكن أن يكون الحكم الخاص بالنزاع حول مسجد رام جامابهومي بابري واحداً من أكثر الأحكام تميزاً فيما صدر عن القضاء الهندي في العصر الحديث. وبدأ الجدل والخلاف من خلال المطالبات المتنافسة من قبل الهندوس والمسلمين، بملكية قطعة من الأرض يقول الهندوس إنها شهدت ولادة بطلهم الأسطوري رام، بينما يعتقد المسلمون أنها مكان خاص بهم كي يؤدوا صلواتهم، حيث أقيم عليها مسجد بابري في القرن الـ 16.

أدت المطالبات المتنافسة حول قطعة الأرض هذه إلى تدمير المسجد من قبل جماعات من الرعاع الهندوس عام 1992، الأمر الذي أشعل حلقات من العنف المجتمعي في مختلف أرجاء الهند. وربما كان ذلك النزاع على موقع المسجد المذكور، أهم سبب جعل الهندوس يحاولون الانطلاق في الترويج لسياسة "هندوتفا" في محاولة لتوسيع القاعدة الإقليمية والسياسية لهم فوق كل الأراضي الهندية. كما أن الهندوس جعلوا من هذا النزاع منصة ينطلقون منها لتحديد مدى الولاء للهندوسية، وتأسيس حقوق جديدة لأفراد هذه الطائفة، وحصولهم على مزيد من تخويلات التصرف في الأمور.

مما لا شك فيه أن حزب جاناتا, الذي شكّل الحكومة الهندية عام 1988, حصل على كثير من التأييد السياسي من خلال أساليبه المتعلقة بتأييد مطالب الطائفة الهندوسية الخاصة بذلك الموقع المتنازع عليه. وكان تأكيد ذلك الحزب على إقامة معبد رام فوق تلك القطعة من الأرض في حملته الانتخابية عام 1999 سبباً رئيساً لحشد كثير من القوى الهندوسية كي تقف وراءه في تلك الانتخابات. وعلى الرغم من أنه لا يبدو الأمر يحمل ذلك التأثير الذي كان له قبل سنوات، فإن المرء لا يمكنه تجاهل القيمة المتعلقة بالمشاعر لدى قطاع مهم من الطائفة الهندوسية في الهند، يرى المنتمون إليه أنه تمت الإساءة إليهم.

أظهر الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا في مدينة الله أباد الهندية في هذه القضية، الذي يقسم المكان بين الأطراف ذات العلاقة، كيفية سعي السلطة القضائية في البلاد إلى حل ما يمكن اعتباره أعقد قضية داخلية واجهها المجتمع الهندي في العصر الحديث. ولاقى الحكم بعض الانتقادات لأنه عمل على مراعاة عدد من الاعتبارات غير القانونية، لأسباب معروفة تماماً في الهند، حيث كان من الصعب الدفاع عن تلك الأسباب من الجانب المهني الصرف. ومن أمثلة ذلك أن القضاة الثلاثة اقتنعوا بصحة ما يقوله الهندوس من أن هذا الموقع كان مسقط رأس بطلهم الأسطوري، رام، على الرغم من أن الطائفة الهندوسية لم تصرح بشيء من ذلك قبل عام 1949.

يضاف إلى ذلك أن قناعة القضاة بأن المسجد الإسلامي بني في مكان كان في السابق معبداً هندوسياً، ساعدت على دعم المحكمة لضرورة وجود معبد هندي فوق تلك الأرض المتنازع عليها. ولم تكن هنالك أدلة أثرية كافية لدعم مثل هذا الادعاء الذي تمسكت به الطائفة الهندوسية.

وعلى الرغم من أن الحكم كان فيه شيء من الغموض، إلا أنه يؤكد أن الموقع كان مسقط رأس البطل رام. ومع ذلك، فإن قطعة الأرض المتنازع عليها ملكية مشتركة بين الهندوس والمسلمين، حيث يمثل الجانب الهندوسي هندومشاسابها ونيرمهوي أكارها، ويمثل الجانب المسلم مجلس الوقف الإسلامي. وبالتالي كان قرار المحكمة بأن يكون لكل طرف من هذه الأطراف ثلث الأرض المتنازع عليها، وبحيث يظل موقع معبد رام في المكان الذي حدّد له عام 1949.

يبدو أن للحكم نهايات فضفاضة متعددة، كما أنه قد لا يكون مقنعاً إلى الحد الذي كان متوقعاً في السابق، حيث أبدت دوائر قضائية متعددة اعتراضها على حيثياته، الأمر الذي ساعد على التوصل إلى الحكم الخاص بالتقسيم الثلاثي. وهناك رأي بأن قضاة المحكمة تجاوزوا صلاحياتهم إلى حد ما، وخالفوا بعض القواعد القضائية المعمول بها في البلاد. وجادل أولئك الذين وجهّوا الانتقادات بأنه كان على المحكمة المعينة أن تركز أكثر على الجهة التي لديها التخويل القانوني الأقوى بخصوص قطعة الأرض موضع النزاع.

وتكون لمثل هذه الحجج قيمة من وجهة نظر قانونية خالصة. وقد تكون المحكمة المعينة وقعت في خطأ توجيه انتباه قليل للجوانب القانونية. ولكن هل يمكن لأي جانب التشدد في التطبيق الدقيق لقواعد القانون حين تكون لهذه القضية مثل هذه الأبعاد ذات العلاقة بالأهمية الاجتماعية ـــ السياسية؟ إنني لفي شك من هذا الأمر.

يبدو أن المحكمة لجأت إلى خيار سهل حين دافعت عن اسم مجلس الأوقاف الإسلامي، ودوره في النزاع على قطعة الأرض (وذلك من حيث إن المجلس هو الذي كان يحمل الاسم الأصلي لهذه الجهة الوقفية الإسلامية). غير أن ذلك، بدلاً من أن يعمل على التهدئة، أثار حفيظة تلك الفئة شديدة التعصب بين أفراد الطائفة الهندوسية الذين حاولوا استغلال الأمر لتوسيع قاعدة أولئك الذين يدورون في فلكهم.

إن الأمر المهم في هذا الحكم هو أن هذه الجهة القانونية الهندية أخذت "العملية المستحقة والمناسبة" بأقصى ما يمكن من حدود الجدية، واستطاعت في الوقت ذاته مراعاة الجانب السياسي الذي كان يمكن أن يثير مزيدا من النعرات المتعصبة. وقد يكون الحكم الذي لا يتمتع بقاعدة قانونية صلبة، انعكاساً لا شك فيه لحسن النوايا من جانب أولئك القضاة الذين كانوا معنيين بحل الإشكال الذي سيظل من الناحية التاريخية عموداً حاسماً في تشكيل استقلال البلاد.

من المتوقع أن يبعث هذا الحكم فترة من الحياة والانتعاش في صفوف جماعة هندوتفا، وذلك من خلال الدفاع عن ادعائها المتعلق بالأرض موضع الخلاف. وقد لا يكون المسلمون سعداء للغاية لأن مجلس الوقف الإسلامي فقد ما كان يملكه من سيطرة كاملة على قطعة الأرض المتنازع عليها. غير أنهم من خلال دعمهم لمبدأ الاحترام المتساوي لكل الديانات، الذي عمل على ترسيخه المهاتما غاندي، الذي تحترمه كل الطوائف الدينية في الهند، فإنهم رضوا بما قررته المحكمة من ضرورة استمرار ذلك الاحترام الذي تم تطبيقه بخصوص ما يمكن اعتباره أقوى صراع في القرن الماضي للحفاظ على وحدة الموقف بين الهندوس، والمسلمين. وأما ما يمكن أن يظل لهذا المبدأ من أثر سياسي في الهند في أيامنا هذه، فهو أمر ما زلنا في انتظار أن نشهده.

قد يكون هذا الحكم فرصة ذهبية لحكومة التحالف التي تقود الهند في الوقت الراهن، وذلك لدعم موقفها من خلال حشد قوى الرأي العام، بغض النظر عن وجهات النظر المختلفة بين المجتمعات المحلية. وستكون لدى التحالف الحكومي القائم في نيودلهي سياسة قوية من خلال عملية بناء معبد هندوسي، إلى جانب مسجد إسلامي، حيث إن الأمر مفيد لهذه الحكومة لتعلقه بحل هذه الأزمة التي طال أمدها كثيراً. ومن شأن ذلك أيضاً أن يعمل على تهدئة ادعاءات كل من الهندوس، والمسلمين، بأنهم كانوا ضحايا استقلال الهند. والأكثر من ذلك أنه في ظل وجود تقرير لجنة ساشر، فقد أصبحت لدى الحكومة الائتلافية الهندية قائمة فاعلة من التوصيات لتحسين أوضاع المسلمين في الهند.

وبالتالي، فإن هذا الحكم في هذه القضية الشائكة التي طال النزاع حولها، سيعتبر حكماً تاريخياً، وسيؤدي، على نحو مؤكدٍ، إلى تحول هيكلي في السياسة الهندية من خلال زيادة التركيز على أهمية مبدأ الاحترام المتساوي لجميع الديانات، بدلاً من مبدأ نهرو الداعي إلى تحييد الديانات.

أما ما ننتظره، فهو مصير الاستئنافات التي ستتقدم بها الأطراف ذات العلاقة للمحكمة العليا التي أصدرت هذا الحكم، حيث هناك مطالبات متعددة بإعادة دراسته خلال الأيام الـ 90 المقبلة، لأن من شأن ذلك تشكيل النسيج الاجتماعي بصورة حاسمة لأكبر ديمقراطية أعراق على صعيد العالم.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: Opinion Asia

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية