الجمعة, 23 أكتوبر 2026|11 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

خلال جلسة استماع في آذار (مارس) 2007، استنتجت لجنة الأمن القومي والشؤون الداخلية في مجلس الشيوخ أنه في حين أن ''الإرهاب الداخلي'' يشكل تحدياً حقيقياً وخطيراً، إلا أنه من حسن حظ الولايات المتحدة أن التطرف لا يحظى هنا، كما يبدو، بالجاذبية التي يحظى بها في مناطق أخرى من العالم. لكن بمواجهة الأدلة الأخيرة عن المسلمين الأمريكيين المتطرفين، تبدو هذه الثقة بالسكان المسلمين ''في داخل أمريكا'' في غير محلها. فالزيادة الأخيرة في الحوادث ذات الصلة بالإرهاب التي يتورط فيها أمريكيون ترسل إشارة منذرة بالخطر عبر المؤسسة السياسية الأمريكية. وأدت أيضاً إلى التشكيك في مستوى اندماج الأقلية المسلمة في المجتمع الأمريكي واحتمالات أن تتأثر هذه المجموعة بالفكر المتطرف.

والأمر اللافت للنظر بشأن أعمال الإرهاب هذه التي ارتكبها أمريكيون هو أنه تم تنظيمها من قبل أشخاص تلقوا تعليماً علمانياً. وإذا لم يكن لديهم معرفة دينية حقيقية، يصبح هؤلاء الشباب أهدافاً سهلة في يد الإرهابيين الذين سيؤثرون فيهم بتفسيرات خاطئة للنصوص الدينية. وتظهر هذه الممارسة ضرورة إشراك المنظمات الدينية للمساعدة على وضع استراتيجيات لمكافحة التطرف كما حدث في الهند وجنوب آسيا. فعلى الرغم من أن الهند تضم أكبر عدد من السكان المسلمين بعد إندونيسيا، إلا أنها لم تبلغ عن أي حادث يتورط فيه المسلمون الهنود في أعمال الإرهاب العالمية. فهل يمكن أن تتعلم الولايات المتحدة ربما شيئاً من جهود المنظمات الإسلامية في الهند لوقف مد الأيدولوجية الإسلامية المتطرفة؟

يعمل كثير من المنظمات الدينية وعلماء الدين في الهند على مستوى المجتمع المدني لمواجهة خطر الإرهاب المتزايد في مجتمعاتهم. وتقود جامعة دار العلوم ديوبند، الجامعة الهندية المؤثرة في ولاية أوتار براديش, التي تعد التالية في المكانة بعد الأزهر في القاهرة، هذه الجهود. فعلى سبيل المثال، في أيار (مايو) 2008، أصدرت الجامعة فتوى تعلن فيها أن الإرهاب يتناقض مع الإسلام. ومنذ ذلك الحين، تنظم ديوبند والمنظمة الشقيقة لها، جمعية علماء الهند، وهي منظمة اجتماعية دينية تعمل على تحسين أحوال المسلمين الهنود، اجتماعات ومؤتمرات بشكل دوري للتنديد بالإرهاب وبناء حركة ضده.

وكانت الفتوى التي أصدرتها ديوبند لحظة فاصلة، حيث تم اتهام الجامعة بالتأثير في حركة طالبان، على الرغم أنه لم يكن هناك أي دليل يشير إلى وجود صلة مباشرة بين ديوبند وطالبان. وعن طريق إصدار هذه الفتوى الشاملة ضد الإرهاب، لم تظهر ديوبند أنها لا توافق على الإرهاب فحسب، بل ضربت مثلا للدور الذي يمكن أن يلعبه المسلمون والمنظمات الدينية في مناطق أخرى في العالم في السيطرة على تطرف الشباب المسلم.وحدثت خطوة مماثلة في باكستان في الآونة الأخيرة. ففي الثاني من آذار (مارس) 2010، أصدر محمد طاهر القادري، الزعيم الديني المؤثر والعالم البارز في باكستان، فتوى من 600 صفحة في لندن يعلن فيها أن الإرهابيين والمفجرين الانتحاريين كفّار. واستخدم القادري بفاعلية التكنولوجيا الإلكترونية مثل أشرطة الكاسيت والفيديو والأقراص المدمجة وأقراص الفيديو الرقمية وقنوات التلفزيون للوصول إلى أعداد كبيرة من الجماهير. ومن خلال منظمته المؤثرة، منهاج القرآن العالمي، التي لها حضور في 90 دولة بما فيها كندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، يسعى القادري إلى تقديم الوجه المعتدل للإسلام أمام العالم.

وأسفرت مثل هذه المحاولات من قبل المنظمات الإسلامية وعلماء الدين لوقف تحويل الشباب إلى متطرفين في جنوب آسيا, عن نتائج إيجابية. فقد رحبت مختلف شرائح المجتمع في الهند بنهج جامعة ديوبند، بما في ذلك الحكومة والأحزاب السياسية وزعماء الدين من المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية. وبالمثل، أيدت الحكومة البريطانية الفتوى التي أصدرها القادري، في حين حضر هذا الحدث أعضاء من البرلمان وممثلون عن شرطة العاصمة في لندن. لكن ظهور تأثير فتوى القادري سيستغرق بعض الوقت.

هل يمكننا توقع دور مماثل من المنظمات الدينية الإسلامية وعلماء الدين الإسلامي في الولايات المتحدة؟ لا شك أن الدولة الأمريكية توفر مساحة لمختلف منظمات المجتمع المدني وللأقليات لنشر وجهات نظرها. لكن خلافاً لما حدث في جنوب آسيا، حيث أخذت منظمات المجتمع المدني زمام المبادرة من تلقاء نفسها لخدمة أي قضية، يجب على الدولة الأمريكية، من خلال وزارة الأمن القومي ووكالات إنفاذ القانون، تشجيع وتعزيز مثل هذه المبادرات في المجتمعات والجاليات الإسلامية.

وحدث مثل هذا التطور في ولاية هاواي التي أقرت تشريعاً في العام الماضي تعلن فيه أن اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، الذي صادف 24 أيلول (سبتمبر) 2009، وفقا للتقويم القمري الإسلامي، يوم الإسلام. ويصادف هذا اليوم هجرة النبي محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ من مكة إلى المدينة, وبالتالي تعني بداية الإسلام. والغرض هو الاعتراف ''بالمساهمات الدينية والعلمية والثقافية والفنية الغنية'' التي قدمها الإسلام والعالم الإسلامي. ولا تسمح بالإنفاق أو الاحتفالات المنظمة في يوم الإسلام. وعلى الرغم أن هذه الخطوة أثارت انتقادات من بعض المشرّعين باعتبارها تحتفل بدين يرتبط بأحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، إلا أن الدولة أقرت التشريع على أية حال. وهذه خطوة مهمة ومفيدة للغاية في دمج المسلمين في المجتمع الأمريكي بصورة أكبر.

والمطلوب الآن هو تشجيع المزيد من المشاركة والتواصل مع الجاليات الإسلامية. وتظهر حالة اعتقال خمسة شباب مسلمين أمريكيين من فيرجينيا عام 2009 ومفجر يوم عيد الميلاد عمر فاروق عبد المطلب, مدى ضرورة هذا التواصل. فقد تم الإبلاغ عن كلتا الحالتين إلى الحكومة الأمريكية من قبل أهاليهم القلقين. وستساعد مثل هذه الاستراتيجيات على تحديد الإرهابيين المتحملين وتجنب الكارثة التي قد تترتب على أفعالهم.

لذلك، إلى جانب توفير الدعم القانوني عن طريق إقرار التشريعات، يمكن للولايات المتحدة أن تلعب دوراً عن طريق تشجيع المنظمات الدينية الإسلامية الأمريكية والعلماء المسلمين على نشر القيم الأساسية للإسلام بين أتباعهم من خلال الاجتماعات والبرامج ووسائل الإعلام الأخرى. ويمكن للمنظمات الإسلامية مثل مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية وشبكة العمل الأمريكية العربية والمجلس الإسلامي للشؤون العامة أن تلعب دوراً في السيطرة على التشدد بين المسلمين الأمريكيين شريطة أن تتمتع بالمصداقية والثقة ودعم الدولة. ويمكن لهذه المنظمات نشر الرسالة الحقيقية للدين والمساعدة على الترويج للفتوى ضد الإرهاب التي أصدرتها المنظمات الإسلامية المؤثرة وعلماء الإسلام مثل دار العلوم ديوبند وطاهر القادري بين أتباعها.

خاص بـ ''الاقتصادية''

حقوق النشر: Opinion Asia

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية