كأن العالم يحتاج إلى مصيبة جديدة في هذا الوقت بالذات! وكأن الاقتصاد العالمي على قدر من الجودة والقوة، لا تقف في وجهه أزمة أو مشكلة أو مطب! وكأن تبعات الأزمة الاقتصادية العالمية لا أثر لها! يتحدثون الآن عن إمكانية اندلاع ''حرب العملات''، في وقت لم تهدأ فيه بعد الحرب على الأزمة العالمية، ولا يبدو أنها ستهدأ في المستقبل المنظور. إنها مجموعة من المعارك، لا يمكن أن يتحمل العالم الخسارة فيها. فالساحة العالمية ليس لها القدرة على تحمل أي حرب، حتى ولو كانت ''حرب زهور''، فما بالنا بـ''حرب عملات'' أو ''حرب تصدير''، لن ينتج عنها سوى مصائب جديدة، تُطيل أمد الخلاص من الأزمة الكبرى. من الأفضل للعالم أجمع، أن يرفع شعار ''لا صوت يعلو على صوت الحرب ضد الأزمة''. ولأنها ــ أي الأزمة ــ نالت من الجميع كبيراً وصغيراً، فقيراً وثرياً، فإن الحرب عليها ينبغي أن تكون شاملة، ويشترك فيها الجميع. لا وقت لمعارك هنا ومناوشات هناك، فالجميع في قارب واحد, فإما نجاتهم وإما غرقهم. لا حلول وسط على الإطلاق، لأن الأزمة فرضت معاييرها واستحقاقاتها المتطرفة.
أن تلجأ بعض الدول إلى تخفيف قبضتها على عملاتها الوطنية الآن، من أجل تحفيز صادراتها وجعلها أكثر جاذبية، يعني أنها تدفع دولاً أخرى للقيام بذلك، كرد طبيعي. وعندما يصل الأمر إلى هذه المرحلة، فإن ''حرب العملات'' ستُعلَن من تلقاء نفسها. صحيح أن الدول الكبرى والصغرى، تسعى إلى حماية ما تبقى من قوة اقتصاداتها الوطنية، لكن الصحيح أيضاً، أن الحماية يجب أن تأخذ في الاعتبار المعايير التي فرضتها الأزمة. التحرك الفردي الذي كان ينفع قبل الأزمة، بات يشكل أزمة في حد ذاته، في وقت يحتاج فيه العالم إلى تعاون شامل، ليس فقط لمواجهة ترددات الأزمة، بل أيضاً من أجل الوصول إلى نظام اقتصادي عالمي، لا يشبه ذاك الذي كان سائداً، والذي وفر الطاقة لانفجار الأزمة. والجميع يعلم، أن الحلول الوطنية أو المحلية، غالباً ما تكون مؤذية ــ وأحياناً مدمرة ــ في عالم تشابك اقتصادياً، وغاص كله في الأزمة الكبرى. ولأنه كذلك، فإن كل خطوة تخطوها دولة ما (لا سيما المؤثرة)، تدخل في لائحة الخسائر، إذا لم تكن متناغمة مع خطوات الدول الأخرى. ولأن الوضع الاقتصادي العالمي هش، فإن هذه الخطوة ــ غير المتناغمة ــ لا يمكن أن يُنظر لها، إلا كخطوة عدوانية.
وإذا كانت الدول الغربية الكبرى، تريد تجنب ''حرب العملات''، وتسعى بكل ما تبقى لها من وزن، إلى إقناع بعض الدول بالعودة لشدة قبضتها على عملاتها، عليها أيضاً أن تراعي الآثار السلبية التي قد تنشأ من جراء مثل هذه الخطوة على الاقتصادات الناشئة المتهمة دائماً بتخفيف قبضتها على عملاتها. عليها أن تقوم هي الأخرى بخطوات مطمئنة في هذا المجال. عليها أن تسمع أيضاً ما يقوله المسؤولون في الدول الناشئة أو الأسواق النامية. ماذا يقولون؟ ''إن أسعار الفائدة المتدنية جداً في الدول الثرية تدعم التدفقات النقدية الضخمة إلى أسواقها، ما يرفع عملاتها، ويسبب تضخماً في أسعار الأسهم والعقارات، وأصولا أخرى''.
إذن.. القضية لا تخص طرفا دون الآخر. ومن أجل ذلك، لا يمكن أن تُحل هذه القضية بطلبات غربية فقط، دون توضيحات وتطمينات وحسن نوايا، تشجع الدول المتهمة بتخفيف القيود على عملاتها، لاتخاذ إجراءات لا تضرها كثيراً، ولا تضع الاقتصاد العالمي في حرب أخرى، بينما يخوض واحدة من أكثر الحروب ضراوة في التاريخ الحديث. إن الثقة بهذا المجال ضرورية حتماً، لكن الخوف على مستقبل الاقتصاد العالمي المهزوز، ينبغي أن يكون على رأس الأولويات، بصرف النظر عن هوية الجهات التي أوقعت هذا الاقتصاد.
