تواترت التقارير الطبية على أن المشي بأقدام عارية على أرض مستوية غير صلبة, له فوائد صحية، لذا حاولت أن أبحث عن أرض بتلك المواصفات لممارسة الرياضة، فوجدت أرضا لم يصلها (العقاريون) قرب ستاد الملك فهد في مدينة الرياض، حيث فيها ملاعب شعبية ترابية، وكانت بالفعل بداية جيدة، فهي بعيدة نوعاً ما عن عوادم السيارات.
في إحدى الليالي الرمضانية وأنا أمارس رياضة المشي في أحد الملاعب هناك فوجئت بسيارة شحن صغيرة (دينا)، تقف على مسافة غير بعيدة مني، وكان المكان خاليا من الناس وغير مضيء. حاولت أن أتقصى لماذا دخلت سيارة شحن لمنطقة خاصة بالرياضيين؟! هممت أن أذهب بنفسي مشيا لتقصي الوضع، لكني ترددت في ذلك، بعد أن ترجل منها أشخاص صاروا يتلفتون كأنهم يستكشفون المكان. قبل أن أقرر الذهاب إليهم بسيارتي، بحثت عن أي دورية أمن في المنطقة لمدة زادت على ربع الساعة, لكني لم أجد أحدا! تذكرت أنه خلال مدة أسبوعين كاملين كانت هناك سيارات تفحيط أزعج أصحابها أهل الحي، وعرضوا كثيرا منهم ومن المارة للخطر، ولم يأتهم أحد من رجال المرور أو الشرط، وهو ما يبدو أنه شجع أصحاب السيارة المريبة على القيام بما كان ينوون فعله، لما ضمنوا عدم وجود الرقابة في تلك المنطقة. ذهبت باتجاههم وكنت خائفاً من سؤالي عن طبيعة وضعهم، وعن إقامتهم (خوفا من أن يكونوا من المستثمرين الأجانب!)، فأخذت رقم السيارة وكلمت صاحبها، الذي كان يحاول تحميل الأبواب الحديدية لأحد الملاعب، وقلت له ما الذي جاء بك إلى هذا المكان؟ فقال وبكل شجاعة وارتياح: "نحن مكلمين صاحب الحديد". أخبرته بأنني قد بلغت عن سيارته، وأنه سيحقق معه من قبل الشرطة (الله المستعان!) حول تصرفه هذا. ارتبك بعد كلامي، وترك الموقع بسرعة عجيبة.
سؤالي هنا: من المسؤول عن مثل هذا التسيب الأمني، وهذه التصرفات والأعمال التي يقوم بها بعض الوافدين بكل حرية؟ في هذه الحادثة بالذات، قد أقسم أني لم أر دورية، أو أحدا من رجال الأمن في المنطقة خلال ثلاثة أسابيع.
إذا كان هناك نقص في الأفراد، ألا يمكن أن يعوض من خلال توظيف آلاف العاطلين من الشباب؟ هل يمكن كذلك الاستفادة من تقنية المراقبة الحديثة؟ في دول مجاورة وضعوا الكاميرات لمراقبة المناطق النائية، وكان السبب في الحد، وفي كشف الكثير من القضايا الجنائية. الأمر الآخر المهم، أنها ساعدت على تجسيد واستحضار الوجود الأمني لردع أصحاب السلوكيات والنوايا الإجرامية. أيضا يتم هناك تجنيد أشخاص من مواطنين ووافدين، مثل (أصحاب البقالات وسائقي التاكسي) لمراقبة أي تصرف مخل بالأمن. الوضع لدينا يحتاج إلى التطوير بالذات تكثيف وجود الجهات الأمنية، عبر رفع عناصر الأمن اللازمين لضبط الوضع الأمني في مدن كبيرة مثل الرياض وجدة، لأجل رفع كفاءة العمل في مراكز الشرطة، لتدفع العاملين إلى المبادرة في التحري والتقصي عن المشكلة.
إذا شئنا أن نطالب المواطن بالتعاون مع رجل الأمن، فعلينا كذلك، أن نتوقع ونطلب تعاون رجل الأمن. إن كل مواطن لديه غيرة واستعداد لخدمة أمن البلد، لكن الأمر يحتاج إلى تنظيم يتم تحت مظلة متكاملة، يرى من خلالها المواطن وعيا واستجابة سريعة وجدية من مراكز الشرطة. الأمن لا يمكن أن يتحقق دون ذلك التعاون، ودون وعي رجل الأمن .. وهو ما يتطلب تدريبا وتثقيفا في أسلوب التعامل، يتعدى المفهوم الأمني الذي يقوم على الشعور بامتلاك السلطة، ويتجاوز التدريب العسكري والميداني. أجزم بأن الكثير من المواطنين والوافدين، لديهم الاستعداد للتعاون والإبلاغ عن أي تجاوز أمني، لكن أين التشجيع والآلية، وثقافة الأمن لدى أفراد الشرطة؟
ختاما، هناك اقتراح بسيط: إذا أراد كبار مسؤولي الشرطة التأكد من جاهزية ضباطهم وأفرادهم، فليقوموا بعمل سيناريوهات للتأكد من تلك الجاهزية والكفاءة. بتلك التجارب سيكتشفون مواطن الخلل، ويتمكنون من القضاء على بعض السلبيات الموجودة، وفي مقدمتها سرعة الاستجابة للشكاوى والبلاغات من المواطنين.
