تزامنا مع انعقاد المنتدى العربي الثاني لحماية المستهلك، قَدَّرَ مختصون أن عمليات الغش التجاري تكبد الاقتصاد الوطني السعودي نحو أربعة مليارات ريال من الخسائر المباشرة سنويا، وهذه الإحصائية تؤكد حجم وخطورة الضرر الذي تسببه ظاهرة الغش التجاري، وتؤكد أيضا أهمية تضافر جهود المستهلكين والمنتجين والشركات الصانعة وجمعيات حماية حقوق المستهلك ووسائل الإعلام لمحاربة هذه الظاهرة التي تتجدد في أشكال ممارستها وأنواع السلع التي تطولها، وتضيف في كل عام خسارة محققة للاقتصاد الوطني.
ورغم أن معاناتنا مع الغش التجاري قديمة، وتمت مواجهتها بالقانون الذي يجرم الغش بجميع أنواعه، ويفرض على من يمارسه من التجار المستوردين أو الموزعين غرامات مالية وعقوبات تصل إلى السجن وإغلاق المحل التجاري، فضلا عن إتلاف البضائع أو السلع محل جريمة الغش، إلا أن الأرقام الإجمالية للخسائر وما يتم الإفصاح عنه من الجهات المختصة أو في المؤتمرات والندوات المتخصصة، تشير إلى أننا نقف في مكاننا، ولا نحقق شيئا يذكر في مجال مكافحة هذه الظاهرة البالغة الخطورة على حياة الإنسان وصحته وممتلكاته.
إن سوقنا الوطنية تعد الأكثر استيرادا للبضائع والسلع المغشوشة أو المقلدة، وإذا كانت الجمارك السعودية خط الدفاع الأول لحماية المستهلك والأسواق من تداول المنتجات غير المطابقة للمواصفات القياسية السعودية والعالمية والمغشوشة والمقلدة، فإن انتظار أي تعاون من المستوردين لن يقدم شيئا في ميدان مواجهة الغش التجاري لوجود المصلحة للبعض من التجار في ديمومة الاستيراد للبضائع والسلع المغشوشة، حيث تقوم هناك سوق بل أسواق موازية للبضائع والسلع الأصيلة والحرب مستعرة بينهما وبين قطاعين من التسويق السليم والمغشوش، ولكل منهما شركات ومؤسسات ومسوقون وأيضا زبائن، لدى الكثير منهم العلم بحال ما يشترونه من بضائع وسلع، حيث يوجد العلم المسبق لديهم ويغريهم السعر المنخفض متناسين الخطورة العالية لاستخدام تلك البضائع والسلع، وخصوصا ما كان منها قطع غيار للسيارات أو الأجهزة المنزلية، والأخطر هنا ما له علاقة بصحة الإنسان من غذاء أو دواء.
إن هناك عدة أسئلة لا مناص من الإجابة عنها، وهي: كيف تدخل هذه البضائع والسلع إلى سوقنا المحلية رغم وجود منافذ تحت إدارة عدة جهات منها الجمارك وغيرها من الأجهزة المعنية بمكافحة الغش التجاري؟ ثم كيف يتم تسوقها في المحال التجارية رغم ما تقوم به وزارة التجارة من رقابة وتفتيش؟ الذي يظهر أن الغش التجاري أصبح رغم عدم وجود مظلة قانونية يعمل تحتها، سوقا مفتوحة لشريحة من المستهلكين والزبائن ممن يقدرون على ثمن تلك البضائع فقط، ومتى التقت مصلحة شريحة من التجار مع شريحة من المستهلكين والزبائن، فإن استمرار أسواق الغش التجاري مسألة مضمونة.
إن التعاون بين الجهات الرسمية لمواجهة الغش التجاري يسهم في الحفاظ على صحة وسلامة المستهلك.. كما يحد من الآثار السلبية التي تؤثر في قطاع الصناعة والاستثمار ويقلص حجم خسائر اقتصادنا الوطني، التي من المتوقع أن تتزايد في السنوات القادمة مع تزايد حجم التجارة المتزايد الذي تشهده المملكة من الواردات والصادرات.
إن الاقتصاد الوطني جزء من الاقتصاد الدولي، وكما أن أسواقنا مستهدفة من اقتصادات دول تخصصت في تسويق المنتجات الرديئة، فإن نصيبنا من الغش التجاري ومعاناتنا معه أكثر من غيرنا، وبالتالي فإن جهودنا في مواجهته يجب أن تتناسب مع حجم خسائرنا، وهي تتجاوز الخسائر المادية لتصل إلى حياة الإنسان وصحته، وهو خط أحمر يفرض علينا تحجيم هذه الظاهرة، خصوصا فيما له علاقة بالغذاء والدواء وسلامة الإنسان.
