ليس مطلوباً من الإعلام أن يحل مكان القضاء فيحاكم المجرم، ليبرئه أو يحكم عليه، كما أنه ليس من أدوار الإعلام دراسة موقع الجريمة وتحديد المتهمين فيها، فهذه الأمور كلها من اختصاص الجهات الأمنية والقضائية التي يجب أن تعمل بعيدا عن أي ضغوط، أو إعاقة، أو توجيه للرأي العام، استباقا لما سيصدر من حكم شرعي.
هذه الأسباب جعلت كثيراً من الدول تتردد في السماح بنشر أخبار الحوادث إدراكا منها أن أجهزة الإعلام تبحث عن الإثارة وما يجذب القارئ أو المشاهد، دون إدراك لخطورة النشر على مسار التحقيقات, أو على الوضع الأمني، خاصة أن معظم من يتولون نشر هذه القضايا في وسائل الإعلام ليس لديهم إدراك للبعد الأمني، أو ما يتطلبه القضاء من بعد عن أي مؤثر.
وإذا كان هناك دولٌ سبقت المملكة في السماح بنشر أخبار الحوادث في صفحات الصحف الداخلية، إلا أن تلك الدول حددت ما ينشر، وما يجب أن يمتنع الصحفيون عن نشره، بحيث يُصدر النائبُ العام قراراً يمنع النشر، إذا ما رأى أن النشر سيؤثر في نتائج التحقيق، أو تكون له ردود فعل سلبية على الأمن، في حين نرى دولا أخرى تمنع وبشكل حازم نشر أية قضية منظورة أمام القضاء، مهما كان نوع القضية أو درجة حساسيتها.
وفي المملكة بدأ نشر أخبار الحوادث، وبعض القضايا منذ سنوات قليلة، وكان الهدف من ذلك نشر الوعي الأمني بين الناس، والتحذير من الوقوع في الجريمة، إلا أن النشر أخذ في التوسع وأصبحت كثيرٌ من القضايا المنظورة أمام المحاكم تُنشر في الصحف التي حرصت على إبراز بعض القضايا المثيرة في صدر صفحاتها، كما أصبحت مادة دسمة للقنوات الفضائية، ومارس عديد من الكتاب دور القاضي في تناول ما يطرح من قضايا، دون أن يكون هناك ضابط يفرز ما يسمح بنشره عما يجب الامتناع عن النشر عنه. ونتج عن ذلك أن تعرضت المملكة لهجوم كبير من جهات أجنبية، بعضها جهات حقوقية، والبعض الآخر دول يهمها أن تمارس ضغطاً على أي حكم شرعي يصدر.
وخلال الأسابيع الماضية كانت هناك قضيتان أثارتا ردود فعل كبيرة وخطيرة، وكان للنشر عنهما دورٌ سلبي واضح، ففيما يتعلق بمصرع الفتاة الجزائرية في مكة المكرمة، رأينا بعض وسائل الإعلام تتحدث عن أمور من دقائق التحقيق لم تنته الأجهزة الأمنية من حسمها، وفي قضية المتهم بقتل ثلاث آسيويات في ينبع وتشويه أجسادهن رأينا بعض وسائل الإعلام تجري مقابلات مع بعض أفراد أسرته وتبرز دفاعهم عنه، ثم تتحدث عن وضع أسرته السيئ، ولم نر فيما نشر عن القضيتين نقاشاً جاداً عن خطورة المقيمين غير الشرعيين ومسؤولية من يشغلهم عما يرتكبونه من جرائم.
إن جميع القطاعات الأمنية والقضائية لديها متحدثون رسميون، ولهذا فمن المهم في مثل هذه القضايا الحساسة أن يمنع النشر عنها إلا ما يصدر عن المتحدثين الرسميين، لا أن يُترك الأمر لاجتهادات شخصية، فتكون النتيجة حملات إعلامية وتشكيك بالأجهزة الأمنية والقضاء رغم أن القضية لم تحسم بعد.
* في المقال السابق بعنوان ''حتى لا تتوقف هذه المجلات '' فاتني أن أشير إلى الأستاذ عبد الرحمن المعمر كأحد مؤسسي مجلة عالم الكتب إلى جانب الأستاذ عبد العزيز الرفاعي ـــ رحمه الله ـــ فله مني خالص الاعتذار.
