ارتفاع أسعار الذهب إلى أرقام قياسية إشارة إلى أن سوق العملات يتسم بغموض شديد وحرب مسعورة بين الدول الصناعية. وقد تكون قمة العشرين المقبلة في كوريا مسرحاً كبيراً لهذا الصراع. ولكنه قد لا يخرج بنتائج ملموسة بهذا الصدد لتمسك كل طرف بسياسة سعر الصرف التي تناسب اقتصادياته فمصلحة الصين واليابان تكمن في عملات ضعيفة أمام الدولار واليورو لزيادة صادرتها التي تعتمد عليها بشكل كبير كمحرك رئيس للنمو والتوظيف ورفع مستوى المعيشة في بلدانها. والولايات المتحدة التي اكتشفت أن الدفاع عن دولار قوي منذ السبعينيات يكلفها الآن عجزاَ ضخماً في ميزان مدفوعاتها، وهروباً ضخماً للرساميل والاستثمارات، وزعزعة لريادتها الاقتصادية فقد شهد الدولار ضعفاً وتراجعاً واضحاً بعد سنة 2000 بسبب تزايد العجوزات في الموازنة الفيدرالية وفي ميزان المدفوعات لأمريكا، وتزايد الدور الاقتصادي لكل من دول شرق آسيا والاتحاد الأوروبي، الذي تعزز بتبني عملة موحدة هي اليورو في بداية الألفية الحالية بسعر صرف احتسب عند 1.17 للدولار. وقد ساهمت الأزمات العالمية المتتالية في العقد الحالي في توجيه ضربات متتالية للدولار الذي انتعش بعد انحسار الركود الاقتصادي في سنة 2000، لكنه ما لبث أن عاد وتقهقر رويداً رويدا أمام العملات الأخرى، خصوصاً بعد أزمة أيلول (سبتمبر) 2008، حيث اضطر معه الفيدرالي الأمريكي إلى خفض سعر الفائدة على الدولار ليقترب من الصفر حالياً. وكانت العبارات التي أطلقها الفيدرالي الأمريكي في اجتماعه الأخير تشير إلى نفاد أسلحته ولم يعد معه من حيلة أخرى إلا طبع مزيد من الدولارات، ليتبع البنك المركزي الياباني الذي فقد كل أسلحته منذ 15 عاماً ولم يعد أمامه إلا ضخ تريلوينات الينات ليعيش اليابان في سبات اقتصادي طال أمده ولا يزال. لقد أصبح السجال دائراً الآن في تشبيه الحالة التي تمر بها الولايات المتحدة الأمريكية الآن بالحالة اليابانية وهما تغرقان كلاهما فيما يعرف (بمصيدة السيولة) ،التي كتبت عنها في الملحق الاقتصادي السنوي لجريدة الاقتصادية لعامي 2008، و2009، وفيها توقعت أن يدخل اقتصادنا في مصيدة السيولة بسبب اتباعنا سياسات نقدية تابعة للدولار لنقع في المصيدة الآن، فالسيولة النقدية في المملكة مرتفعة ولكنها لم تنعكس على انتعاش حقيقي لاقتصاد المملكة، ولا على المستوى المعيشي للفرد، الذي يشهد تراجعاً واضحاً يتمثل في زيادة مستوى البطالة ومستويات الفقر.
لقد جاءت أزمة الديون السيادية في أوروبا، فانهار اليورو بشكل متسارع، وسارعت مراكز الأبحاث البنكية بإعادة توقعاتها لوصول اليورو لمستويات متدنية أمام الدولار قد تصل إلى يورو واحد مقابل دولار واحد بنهاية العام الحالي، وكان أكثر المتفائلين يعتقدون بوصول اليورو إلى 1.15 مقابل الدولار قبيل نهاية العام الحالي من مستوياته قبيل الأزمة ،التي كانت تراوح عند 1.30 يورو / دولار. لكن صعوبة التوقعات مع تسارع التغيرات الاقتصادية تقلب الطاولة في وجه الجميع ليعود اليورو ويكسب الرهان ويتجاوز مستويات ما قبل الأزمة ليصل إلى مستويات اقتربت من 1.4 يورو/ دولار خلال الأسبوع الماضي. كما هبط الدولار إلى أدنى مستوياته أمام الين في خمسة عشر عاما بعد خفض أسعار الفائدة اليابانية إلى قرابة الصفر مع تفعيل شراء السندات وبعض الأصول بنحو خمسة تريليون ين.
في ظل هذه التقلبات المحمومة للعملات، وحرب العملات الخفية بين ساسة الدول القوية، نقف مكتوفي الأيدي مراقبين ما يتمخض عنه هذا الصراع العنيف الذي يبدو أن لا دولة تريد أن تخسر هذا الصراع لأنه صراع لا يوجد في قواعد لعبته (فوز- فوز للجميع) لكنه صراع إذا كسب طرف، فإن الطرف الآخر سيكون خسران، كما تتطلب قواعد حرب العملات.
ونحن في المملكة نخسر نتيجة بقاء الريال السعودي تابعا لدولار ضعيف فإذا كان من مصلحة الولايات المتحدة أن يتراجع الدولار لتحسين ميزان مدفوعاتها، فإننا نتمتع بفائض كبير في ميزان المدفوعات. وإذا كانت الولايات المتحدة تتسم بديون تتجاوز 90 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، فإن ديون المملكة لا تتجاوز 16 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. وإذا كانت البطالة في الولايات المتحدة تصل إلى نحو 10 في المائة، فإن البطالة في السعودية تتجاوز 28 في المائة بين الإناث، و10 في المائة بين الشبان. وإذا كانت الصين تدافع عن عملة منخفضة لتشجيع صادراتها فلها حق في ذلك لأن الصادرات هي الموظف الكبير للعمالة الصينية، ونحن في المملكة لدينا قطاع صادرات رئيس (النفط والبتروكيمياويات) قد لا يوظف أكثر من 300 ألف سعودي، ومعظم التوظيف يأتي في القطاع الحكومي، والقطاع الخدمي الخاص مثل البنوك والإيصالات لذلك فإنه ليس من مصلحتنا البقاء على ريال ضعيف، فصادراتنا قادرة على المنافسة بسبب جودتها وانخفاض تكلفة إنتاجها وليس بسبب الريال. لقد أصبح الريال عاملا رئيسا في رفع التضخم المحلي، وعاملا رئيسا في خفض القوة الشرائية للمواطن فقد جربنا رفع المرتبات ولكن المستوى المعيشي للأفراد لم يتغير بسبب ارتفاع الأسعار الذي يأكل أية زيادة تذكر. ولم يبق لدينا حل إلا في التفكير في تغيير السياسات النقدية بطريقة تؤدي إلى زيادة المستوى المعيشي للمواطن وتعكس القوة الحقيقية لاقتصادنا.
