هناك أمور لا يمكن تحقيقها إلا بالتعاون والتكاتف التام بين أفراد المجتمع كافة، لا يهم كم من الوقت والمال والجهد يصرف في تقديم خدمة عامة، فلن يتحقق الهدف المنشود بدرجة عالية من الفاعلية والكفاءة، إذا لم يكن الجميع دون استثناء مقتنعين وملتزمين بالغاية العليا من أي نشاط جماعي، وهي المصلحة العامة. نظافة شوارع المدينة على سبيل المثال، وهي أمر بسيط، لن تتحقق طالما أن هناك شخصا واحدا لا يمتلك النظرة الجماعية، إنما تسيطر عليه المصلحة الذاتية الآنية وضيق الأفق فتراه يلقي بالمخلفات في الشارع غير آبه بالنظافة العامة. هذا القصور في إدراك المصلحة العامة نلاحظه في جميع المستويات الرسمية والشعبية، وهو العائق رقم واحد أمام تحقيق تنمية حقيقية تجعلنا في مصاف العالم الأول ـــ على حد تعبير الأمير خالد الفيصل. الفرق بين الأمم المتقدمة والنامية يكمن في فاعلية النظام العام ومدى التزام كل فرد وجماعة ومؤسسة بأداء الأدوار والمسؤوليات المنوطة بهم والعمل بتناغم وانسجام لتكون النتيجة مستوى عاليا من الأداء في الاقتصاد وانضباطا اجتماعيا وأخلاقيا وتقييما عادلا مبنيا على الجدارة والإنتاجية. إن المجتمع أشبه ما يكون بالآلة، فمن أجل أن يرتقي ويؤدي لا بد من أن يعمل جميع أجزائه بكفاءة وفاعلية، وإن تقاعس أي فرد أو مؤسسة عما يجب القيام به يؤثر سلبا في أداء الأجزاء الأخرى. هذه حقيقة التنمية، لا يمكن تطوير قطاعات على حساب قطاعات أخرى أو الاهتمام بتطوير أجزاء من العمل وإهمال أجزاء أخرى، والإشكالية الكبرى عندما يكون التركيز على النواحي المادية من مشاريع وأبنية دون النواحي الثقافية والحضارية، فعندها تكون تنمية عرجاء عاجزة عن تحقيق الغايات العليا.
والسؤال: لماذا نفشل في كثير من الأحيان في إدراك المصلحة المشتركة والعمل الجماعي؟ هذا سؤال كبير يحتاج للإجابة عنه إلى دراسة عميقة وشاملة وموضوعية وشفافة تتناول الجوانب السياسية والإدارية والاجتماعية والثقافية والتاريخية والرؤية المستقبلية للمجتمع ينبري لها نخبة من المتخصصين في الجامعات السعودية ومراكز البحث. ومع هذا هناك أمور عدة ظاهرة واضحة تدل عليها المشاهدات والوقائع والأحداث اليومية، سواء كان ذلك داخل أروقة الأجهزة الحكومية وطريقة صنع القرار وتصرفات موظفيها أو سلوك الأفراد في الأماكن العامة وأسلوب التعامل فيما بينهم، فترى الكثيرين لا يلتزمون النظام ويكرهون الوقوف في الصف وانتظار دورهم. الثقافة المسيطرة هي ثقافة الوفرة مقرونة بالانتهازية، فهناك نزعة لدى الكثيرين إلى أخذ الكثير مقابل منح أقل القليل من الجد والاجتهاد والتفكير والمال، فالتاجر يبحث عن الربح السريع ولو على حساب الاقتصاد الوطني، والطالب يرغب في الحصول على أعلى الدرجات بأسهل طريقة كانت، وبعض المتهورين، وهم كثر، يتخطى صفوف السيارات بقيادة جنونية ليكون في المقدمة. ومع أن الجميع يشكو من هذه الظواهر السلبية، إلا أنه لا يتعدى مجرد قناعة فكرية لا تتحول إلى سلوك وواقع، فترى الذين يصرحون بالتزام النظام هم أنفسهم أول المخالفين! الأمر يتعلق بطريقة تفكيرنا ورؤيتنا كمجتمع تجاه العمل الجماعي والالتزام بالنظام من أجل تحقيق المصلحة العامة. لكن ما المصلحة العامة؟ وكيف يتم تعريفها؟ وما أسلوب التعرف عليها؟ وهذا هو مربط الفرس، إذ إن هناك اجتهادات ونوايا صادقة في التطوير، لكن ذلك وحده لا يمكن أن يحقق الغايات العظمى للمجتمع، وهي الانتقال إلى مستويات أعلى من النضج الاقتصادي والتحضر الاجتماعي والقدرة على المنافسة العالمية. إنها مسألة تتعلق بالتحول والتطور وليس الإبقاء على الأمور كما هي عليه، فكما يقال إن لم تتقدم تقدم! فليس هناك مكان في هذا العالم المتسارع والمتغير لمن لا يسابق الزمن ويعد العدة للمستقبل، وهذا يقتضي بناء ثقافة المجتمع على قيم الإنتاجية واحترام الوقت والنظام والعمل الجماعي والإبداع والابتكار والرؤية المشتركة. مثل هذه الثقافة تبني نظاما اجتماعيا قادرا ليس فقط على توليد وتنمية قدرة الأفراد والمؤسسات ومنحهم مساحة للتعبير وتفجير طاقاتهم الإبداعية، إنما الأهم العمل ضمن منظومة اجتماعية سياسية صناعية تقود نحو تفاعل هؤلاء الأفراد والمؤسسات لتحقيق أوضاع أفضل وتحفز للمزيد من التقدم والتطور وبناء الخبرات التراكمية وتوليد المعرفة والتميز والتخصص.
إن المطلوب كشرط أساس للنهوض والتأسيس لثقافة العمل المشترك هو صياغة استراتيجية وطنية للخمسين سنة المقبلة، فكل بناء يتطلب وقتا ووجهة لإنجازه، وبناء بلد صناعي من الطراز الأول هو في جوهره إعادة للتثقيف، وهي مسألة تحتاج إلى زمن طويل وربما إلى أجيال، لكن من الضروري البدء من الآن، فالمستقبل يبدأ من هذه اللحظة وليس بعدها! الاستراتيجية الوطنية تكون بمنزلة البوصلة التي تشير إلى الاتجاه الصحيح لتوحد الجهود والموارد وليعمل الجميع بتوافق وتناسق وليس فقط العمل من أجل العمل أو إقامة مشاريع هنا وهناك دون أن يكون هناك ترابط فيما بينها، وهو تحقيق الغايات العليا للوطن. هناك إنفاق حكومي سخي ورغبة في التطوير، لكنه يحتاج إلى استراتيجية بعيدة المدى لتكون بمنزلة المرجعية لقياس الأداء الحقيقي والتعرف على إذا ما كان المشروع الحكومي مطلوبا اجتماعيا واقتصاديا ويحقق الرؤية الوطنية وليس من أجل أن يستفيد بعض الانتهازيين الذين يرون الاقتصاد الوطني غنيمة يتحينون الفرصة لاقتسامها.
هناك الكثير من التحديات والقضايا الوطنية مثل البطالة والمخدرات والجريمة التي تستدعي أساليب جديدة في معالجتها من منظور شامل يأخذ في الحسبان الهيكل الاقتصادي والنظام الإداري الحكومي برؤية مستقبلية. الهيكل الاقتصادي يتطلب أن يركز على الصناعات التحويلية ليكون أكثر قدرة على استيعاب خريجي النظام التعليمي، أما نظام الإدارة الحكومية فمطلوب تقليل دور البيروقراطيات في صناعة السياسات العامة ومنح المجالس التشريعية على المستويات الوطنية والمناطقية والمحلية سلطات نافذة، وقد يكون من الضروري في هذا السياق إصدار نظام للإدارة المحلية يمنح المناطق والمحافظات الاستقلال الإداري والمالي ويمكّنها من بناء القدرات المحلية وصياغة التنمية المحلية؛ فهي جذور التنمية الوطنية. التفكير في المستقبل ليس ترفا إنما ضرورة لمواجهة تحديات الحاضر وتحقيق للتنمية المستدامة التي تحفظ حقوق الأجيال القادمة .. فهل حان الوقت للتفكير في المستقبل والعمل من أجله؟!
