الأحد, 25 أكتوبر 2026|13 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

قبل عام ونيف طرح مجلس الشورى الموقر مشروع إنشاء وزارة للبيئة للمداولة والبحث، وللأسف صوّت المجلس بالأغلبية على عدم جدوى إنشاء وزارة للبيئة، واليوم ألتمس من مجلس الشورى الموقر أن يعيد مشروع إنشاء وزارة للبيئة مرة ثانية للمداولة والحوار، لقد حضرت عدة اجتماعات لوزراء البيئة العرب في جامعة الدول العربية ووقفت على كثير من إهمال الإنسان للبيئة حتى انتشرت الغازات الضارة والسامة في الجو والبحر، وأصبحت الغازات تتهدد الجنس البشري في كل أنحاء الكرة الأرضية، ونتيجة لذلك أصيبت كرتنا الأثيرة بأمراض بالغة الخطورة تستوجب على الإنسان أن يرأف بها وأن يشفق عليها لتعود إليها صحتها ونضارتها، ونعود إلى حضنها وننعم بالعيش فوق قشرتها آمنين.

إن موضوع البيئة في القرن الـ 21 أخذ منحنى يتصل بصحة الحياة فوق كوكب الأرض، حيث أصبحت وزارة البيئة الآن حتمية حياة وليست وظيفة مؤسسة بيروقراطية تعنى بالنظافة، لقد بدأت قضايا البيئة والتلوث تقلق العلماء ومراكز الأبحاث في كل أنحاء العالم، بل أصبحت قضايا التلوث التي ألحقت أضراراً بالغة بصحة البشر والإضرار بالمحاصيل الزراعية وتغيير مناخ وجغرافية الأرض تقلق كل الحكومات في كل أنحاء العالم، ولا سيما بعد أن ظهر الاحتباس الحراري في مناطق متعددة من الكرة الأرضية وأخذ يفتك بالبشر ويتهدد حياتهم ومعاشهم.

إن التقارير التي صدرت من المنظمات الدولية تؤكد أن نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو هو المسبب لظاهرة الاحتباس الحراري، وهذا الغاز ارتفع إلى 380 جزءاً في المليون بعد أن كان 272 جزءاً في المليون قبل الثورة الصناعية، وهو ما أدى إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض درجتين كاملتين مقارنة بالوضع الذي كانت عليه قبل الثورة الصناعية.

إن التقرير الأخير الذي أصدرته الأمم المتحدة يتوقع أن ترتفع درجة حرارة الأرض بمعدل ثلاث درجات إلى أربع درجات في بعض الدول بحلول عام 2050، وهو ما يشكل زيادة غير طبيعية لحرارة الأرض، وإذا حدث هذا ــ لا سمح الله ــ فإن الحرارة ستتسبب في حدوث آثار كارثية على البشرية جمعاء منها ارتفاع منسوب مياه البحار ما بين 34 و52 سم، ولا شك أن هذا التغيير السيئ في المناخ سيؤثر سلباً في الإنسان المكلف بعمار الأرض وسيترتب على ذلك انخفاض في معدل النمو الاقتصادي، بل إن معدلات التنمية المستدامة في كل دول العالم ستتراجع.

وفى عالمنا العربي كلنا قرأنا التقارير التي تقول إن الدلتا في مصر معرضة للغرق بسبب احتمالات ارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات، وإن جزءاً كبيراً من الأراضي المصرية ستغمرها مياه البحار وتختفي، وإن نحو عشرة ملايين مصري معرضون للضياع أو النزوح إلى مناطق جديدة يجب على الحكومة المصرية أن تدبر ــ من الآن ــ المال اللازم لبنائها وعمارها.

إن التغيرات التي تحدث في كوكب الأرض في هذه الأيام والتي بدأت تتزايد في شكل زلازل وبراكين ثم أخذت ظاهرة الاحتباس الحراري تضرب السواحل والمحيطات في مناطق متفرقة من العالم، وأخيراً وليس آخراً انحسار الجليد في المحيط المتجمد الشمالي، واندلاع حرائق الغابات في روسيا التي أحرقت الأخضر واليابس، وكذلك الفيضانات التي شردت ودمرت مناطق شاسعة في باكستان، كل هذه التغيرات في مناخ كرتنا الأرضية ينذر بمخاطر استمرار الحياة فوق هذا الكوكب الذي شوهه ــ بالتلوث وتخريب المناخ ــ إنسان الحضارة الغربية.

كل هذه الهجمات المناخية التي ننتظر المزيد منها في هذا القرن تستدعي من الإنسان في كل مكان من العالم أن يأخذ الموضوع بمحمل الجد، وأن يعمل ما وسعه الجهد على وضع استراتيجيات بعيدة المدى للتعامل مع كل الأسباب التي أدت إلى هذا التغيير في المناخ فوق كوكب الأرض، وإلاّ فإن العاقبة ستكون وخيمة على الجنس البشري وعلى كل من ينعم ويعيش فوق كوكب الكرة الأرضية. الأخطر من كل هذا أن هذه التغيرات في طوبوغرافية الأرض وحرارتها أدت إلى تغيير دراماتيكى فى خريطة الأمراض المنتشرة فوق الكرة الأرضية، فبعد أن أصبح كثير من الأمراض الفتاكة من مخلفات الماضى.. عادت هذه الأمراض بشراسة أكبر ومخالب أخطر ولم تعد أدوية المضادات الحيوية التي اكتشفها الإنسان ــ بعد جهد جهيد وسنوات طويلة وأموال كثيرة ــ قادرة على القضاء عليها. لقد ظهرت الملاريا بمخالب جديدة في إيطاليا، وأطل السل بأنياب شرسة على المجتمع الروسي، وعادت البلهارسيا والأمراض التنفسية تفتك بالبشر في كل أنحاء العالم، وحتى الدرن وغيره من الأمراض الاستوائية بدأت تتسلل إلى المواطنين في أوروبا المتقدمة طبياً ناهيك عن إفريقيا وآسيا التي بدأت الأمراض الفتاكة تنخر في الأجساد النحيلة حتى تأخذها إلى مثواها الأخير.

أقول إن ارتفاع درجات الحرارة من شأنه أن يؤدي إلى كثرة الإصابة بالأمراض السرطانية، خاصة الجلدية نتيجة زيادة التعرض للأشعة فوق البنفسجية فادحة التأثير بسبب التشويه الذي أصاب طبقة الأوزون، وإذا كانت تأثيرات التغيرات المناخية في البيئة فادحة التأثير، فإنها بالضرورة ستؤثر في إنتاجية الإنسان وتقلل من حجم مساهمته في التنمية وعمار الأرض.

وهكذا بعد أن حقق الإنسان تقدماً مذهلاً في القضاء على كثير من الأمراض عادت الأمراض لتهاجم البشرية بأسلحة جديدة تحتاج إلى جهود بحثية جديدة وتحتاج إلى وقت وتحتاج إلى مال وفير.

إذا كان الكل الآن مقتنعاً بأن الطبيعة باتت تتحدى الإنسان، فلا أقل من أن يستعد الإنسان للمواجهة، وأولى آليات المواجهة هي إنشاء وزارة متخصصة تتولى حشد كل القوى للتصدي للخطر ومواجهة الاحتباس الحراري، وتسهم في بناء شبكة من العلاقات الدولية الرامية إلى وضع التدابير اللازمة لمواجهة أخطار التغيرات المناخية.

ولذلك فإنني أقول إذا كنا في الماضي في حاجة إلى وزارة للبيئة، فإننا في الحالي في أمس الحاجة إلى وزارة بخبرات وإمكانات أكبر بكثير من مجرد مصلحة لا حول لها ولا طول!

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية